5 . وعنه ، عن أحمد بن محمّد ، عن ابن فضّال ، عن الحسن بن الجَهْم ، قال : قلت لأبي الحسن عليه السلام : إنّ عندنا قوماً لهم محبّةٌ ، وليستْ لهم تلك العزيمةُ يقولون بهذا القول ، فقال عليه السلام : « ليس أولئك ممّن عاتَبَ اللَّه تعالى ، إنّما قال اللَّه :
« فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ »
» .
شرح
فلا يرد ما يمكن أن يقال : إنّه قد يوجد عاقل من غير جهل وعكسُه ، بل قد يوجد الخالي منهما ، فإنّ هذا يترتّب على إرادة الأثر الحاصل من العقل والجهل ؛ وما يمكن أن يقال : إنّ « كلًاّ » وإن كان لاستغراق الأفراد ، إلّاأنّه لا يلزم من العبارة أن يكون لكلّ فردٍ عقل وجهل ، غايتها أنّها تفيد صداقة العقل المضاف إلى كلّ واحد ، وعداوة الجهل كذلك ، وهو لا يستلزم وجودهما في كلّ فرد ؛ فإنّ قولنا مثلًا : « صديقك كلّ من نصحك ، وعدوّك كلّ من غشّك » لا يلزم منه وجود الناصح والغاشّ ؛ فتأمّل .
والاحتمال الثاني الذي ذكره والدي - رحمه اللَّه - لا يخلو من خفاء .
بقي احتمال آخر ، وهو أن يكون المعنى : صديق كلّ امرئ ذي عقل عقلُه ، وعدوّ كلّ امرئ ذي جهل جهلُه . والمقدّر يفهم من الإضافة .
وهذا الاحتمال ينطبق على كلّ من العقل والجهل وما يترتّب عليهما ، مع إخراج غير المتّصف بهما أو بأحدهما ؛ واللَّه أعلم .
قوله عليه السلام في حديث الحسن بن الجَهْم : ( إنّ عندَنا قوماً لهم مَحبّةٌ ، ولَيسَتْ لهم تلك العَزيمةُ يَقولونَ بهذا القولِ ، فقال : ليس أُولئك ممّن عاتَبَ اللَّهُ ، إنّما قال اللَّه :« فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ ») « 1 » .
يحتمل - واللَّه أعلم - أن يكون المعنى : أنّ هؤلاء المذكورين لهم إليكم محبّة عظيمة ، أو نوع من المحبّة ، وهم يقولون بقولكم ، وليس لهم تلك العقول الراجحة ، أو ذلك الثبات والرسوخ بحيث يأتمرون بكلّ ما ينبغي ، وينتهون كذلك ، ويعملون بما يعمل غيرهم ممّن عقولهم أرجح من عقولهم .
هامش
( 1 ) . الحشر ( 59 ) : 2 .