شرح
كلّ مكلّف استطاعة يفعل بها ما يشاء من الخير والشرّ ؛ فاللَّه سبحانه منزَّه عن أن يخذل من لا يستحقّ الخذلان بسوء فعله الذي صار سبباً للتخلية بينه وبين ما يريد ، ومنعه العناية التي تميله وتصرفه عمّا يفعله بسوء اختياره ، وإذا رأى من عبد طاعةً وانقياداً ، أمَدَّه بالتوفيق والعناية اللذين يتقوّى بهما ميله ودواعيه إلى ما يقرّبه إلى رضاه ويبعّده عن معصيته ، وهذه زيادة عن أصل اللطف بكلّ مكلّف ، فهذا - واللَّه أعلم - معنى التوفيق والخذلان منه تعالى .
وقد يتدارك اللَّه بتفضّله وعفوه بعض أهل الخذلان بالإمداد بالتوفيق إلى الإيمان ؛ ولهذا قال رحمه اللَّه : ( فذاك في المشيّة ) وذلك إتمامٌ لأصل إيمانه الذي نقص باتّباعه الاستحسان والميل مع كلّ ناعق .
وقد يكون ميله إلى من يهديه بتوفيق اللَّه تعالى فيتمّ إيمانه ، وقد يسلبه الإيمان بالكلّيّة بأن يبقيه على اتّباعه هواه وسوء فعله الذي اختاره وترقّى به إلى أن منع العناية الإلهيّة .
وكون الإيمان عارية ووديعة عند مثل هذا ظاهرٌ ، بخلاف الأوّل الثابت على الإيمان ، فإنّه كالمالك الذي لا يؤخذ ما في يده منه ، كما تؤخذ العارية والوديعة .
وقد رأيت بعد كتابة هذا الكلام في كتاب التوحيد للصدوق رحمه الله - في باب التوفيق والخذلان من اللَّه تعالى - ما يؤيّده بحمد اللَّه تعالى ، عن أبي عبداللَّه عليه السلام في قوله عزّ وجلّ :« إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ »« 1 » ، قال : « إذا فعل العبد ما أمره اللَّه عزّ وجلّ به من الطاعة ، كان فِعْلُه وفقاً لأمر اللَّه عزّ وجلّ ، وسمّي العبد به موفّقاً ؛ وإذا أراد العبد أن يدخل في شيء من معاصي اللَّه ، فحال اللَّه تبارك وتعالى بينه وبين تلك المعصية ، فتركها ، كان تركه لها
هامش
( 1 ) . آل عمران ( 3 ) : 160 .