بلدةٌ عامرة على بعد ميلين أو أقل ، لكنه « صلى الله عليه وآله » أراد تنفيذ الأمر الإلهي فوراً في المكان الذي نزل فيه الوحي ، ونادى مناديه : أيها الناس أجيبوا داعي الله ، وأمرهم أن يوقفوا من تأخر من المسلمين ويردوا من تقدم منهم .
وتقدم نحو دوحة غدير خم وأمرهم أن يكسحوا تحت الأشجار لتكون مكاناً لخطبته وللصلاة في ذلك الهجير ، فنصبوا له أحجاراً كهيئة المنبر ليشرف على الناس فيرونه ويسمعوا كلامه ، ووضعوا عليها حدائج الإبل فصار أكثر ارتفاعاً ، ووردوا ماء الغدير فشربوا منه وتوضؤوا . ولم يتسع لهم المكان تحت دوحة الغدير ، وكانت ستَّ أشجارٍ كبيرة ، فجلس بعضهم في الشمس أو استظل بناقته .
عرفوا أن أمراً قد حدث وأن النبي « صلى الله عليه وآله » سيخطب ، فقد نزل عليه وحيٌ أوجب أن يوقفهم في هذا الهجير ، قبل محطة الجحفة القريبة !
صعد النبي « صلى الله عليه وآله » منبر الأحجار والأحداج ، وبدأ باسم الله تعالى وأخذ يرتل قصيدته في حمد الله تعالى والثناء عليه ويُشهد الله تعالى والناس على عبوديته المطلقة لربه العظيم عز وجل . ثم قدم لهم عذره لأنه اضطر أن ينزلهم في مكان قليل الماء والشجر ، ولم يمهلهم حتى يصلوا إلى بلدة الجحفة المناسبة لنزول مثل هذا القافلة الكبيرة ، وكلفهم الاستماع إليه في حر الظهيرة !
أخبرهم « صلى الله عليه وآله » أن جبرئيل « عليه السلام » أمره أن يفسر للمسلمين فريضة الولاية ويقيم علياً إماماً بعده للناس ، قال لهم : إن الله عز وجل بعثني برسالة فضقت بها ذرعاً ، وخفت الناس أن يكذبوني ، فقلت في نفسي من غير أن ينطق به لساني : أمتي
جواهر التاريخ ( السيرة النبوية ) — صفحة 254
مساهمون: الشيخ علي الكوراني العاملي
ص٢٥٤