والتشبه بالخير الأقصى والتخلق بأخلاق الله تعالى ، ولذلك ورد في بعض الصحف المنزلة من الكتب السماوية أنه قال سبحانه : يا ابن آدم خلقتك للبقاء وأنا حي لا أموت ، أطعني فيما أمرتك وانته عما نهيتك أجعلك مثلي حياً لا تموت . . . فهذا مقام من المقامات التي يصل إليها الإنسان بالحكمة والعرفان ! وهو يسمى عند أهل التصوف بمقام كن ، كما ينقل عن رسول الله « صلى الله عليه وآله » في غزوة تبوك أنه قال : كن أبا ذر ، فكان أبا ذر . وله مقام فوق هذا يسمى بمقام الفناء في التوحيد ، المشار إليه بقوله تعالى في الحديث القدسي : فإذا أحببته كنت سمعه الذي به يسمع وبصره الذي به يبصر . . الحديث . وسينكشف لك في هذا السفر بيان هذا المطلب بالبرهان ويلقى إليك معرفه العلم الذي من أجله يستوجب من علمه وعمل بموجبه تلك البهجة الكبرى والمنزلة العظمى ، فافهم واغتنم به وكن به سعيداً ، ولا تلقه إلا إلى أهله العامل بمقتضاه وموجبه » .
أقول : لا كلام في إمكان أن يكون النبي « صلى الله عليه وآله » قال للسوادة : كن أبا ذر ، فكان على نحو الإعجاز . لكن الإشكال في زعمهم أن ذلك مقامٌ يمكنهم أن يبلغوه هم ، ودعوتهم الناس أن يتبعوهم لكي يبلغوه !
ولم يكتفوا بذلك حتى اخترعوا مقاماً أعلى منه هو الفناء في التوحيد !
قال صدر المتألهين في الأسفار ( 2 / 18 ) : « فإن المنازل اللائقة بالأولياء هذه ، وكذا يترقون من الواحدية إلى الفناء في الأحدية ، ويسافرون من الحق إلى الخلق » .
وقال في ( 3 / 183 ) : « فالعشق الأكبر عشق الإله جل ذكره وهو لا يكون إلا للمتألهين الكاملين الذين حصل لهم الفناء الكلي . وهؤلاء هم المشار إليه في قوله تعالى : يُحِبُّهُمْ
جواهر التاريخ ( السيرة النبوية ) — صفحة 122
مساهمون: الشيخ علي الكوراني العاملي
ص١٢٢