وفي السرادقات ، والمقاهي المتنقلة ، وحول السيرك ، ترتفع دقات الدفوف
ونغمات الربابة ، وإيقاع الطبول ، وأصوات المطربين والمنشدين ، وتهتز
القلوب وتمتلئ بالبهجة العريضة . . وترتفع الأصوات من حناجر الألوف ممتلئة
بالحب الحقيقي تنادي : يا رئيسة الديوان . . !
إن السيدة زينب رئيسة الديوان . . رمز لشئ عميق الدلالة ، إنها المرأة
الباسلة الشجاعة التي ظلت تضمد جراح الرجال في معركة كربلاء من أبناء
بيت الرسول وأتباع الحسين ، حتى سقطوا جميعا صرعى بين يديها .
لم يرهبها جنود يزيد بن معاوية الأنذال السفاحون ، الذين اقتلع حكم
يزيد الباطش المطلق من نفوسهم آخر خيط يربطهم بالإنسانية . . فكانوا
يقطعون بسيوفهم رقاب الأطفال أمام السيدة زينب ، ورأتهم يبقرون بطن
غلام من أبناء الحسين ، فلم يزدها ذلك إلا بسالة وتماسكا ورغبة في النصر .
ورأت أخاها العظيم الباسل الحسين بن علي وقد وقف بمفرده أمام
جنود يزيد وهو يرفض التسليم ، وراح يقاتلهم بعد أن استشهد كل أتباعه
وأهله . . ما عدا ولده زين العابدين الذي كان مريضا ، ونائما في حضن عمته
زينب ، فتركوه ظنا منهم أنه سيلفظ أنفاسه الأخيرة من المرض . . لكنه
عاش . . وكان شوكة في عين الدولة الأموية ، تلك الدولة التي أقامها معاوية
بالدس والشر ، والتنكر لأعظم مبادئ الإنسانية في ذلك الزمان . . لرسالة
محمد رسول الله صلى الله عليه وآله .
واندفعت زينب من خبائها نحو أخيها . . . تصيح : وا حسيناه . . ثم سقطت
مغمى عليها من الحزن العميق . . كانت ترى في نهاية الحسين ، انهيارا لبناء
هائل كبير أقامه جدها النبي في طول الأرض وعرضها ، ليخلص البشرية من
انحطاطها واندفاعها نحو الفوضى والشر .
الانتصار — صفحة 385
مساهمون: العاملي
ص٣٨٥