ومع ذلك . . فإن مصرع الحسين كان نذيرا لدولة معاوية الأفاق ،
وانهارت الدولة بعد ذلك بنصف قرن وسط أفراح الشعب .
ظل الشعب يلعن يزيد بن معاوية وخلفاءه حتى سقطوا ، بل إن الشعب
انتقم من قادة الجيش الأمويين شر انتقام ، فلقي أكثرهم مصرعه بعد أن
استشهد الحسين على أيديهم ، وهو الإمام والقائد والزعيم السياسي المثالي
لأمة العرب في ذلك الحين ، والرجل الذي قام برحلته الدامية إلى العراق ،
وهو يعلم أن ألوف الجنود المرتزقة من جيش يزيد ، سوف تلحق به وتحول
بينه وبين الاتصال بالشعب .
وكان الحسين يعلم أنه يستشهد لا محالة ، هو وأهل بيته ، لكنه مضى في
طريقه دون خوف أو تردد ، وتلك صفات الزعماء الحقيقيين للشعوب .
طلبوا منه أن يسلم نفسه فأبى . . طلبوا منه البيعة ليزيد ، فرفض أن يبايع
شابا فاسدا شريرا ، لا يصلح أن يقود أمة حديثة في طريقها الطويل . وامتشق
سيفه ، وظل يقاتل جنود الشيطان يزيد ، خليفة المسلمين الذي فرضه أبوه
معاوية فرضا على الأمة العربية . ولم يكن معه سوى العشرات من الرجال
والنساء والأطفال ، كل جيشه كان يمكن لفصيلة من الجنود سحقها في
لحظات . . لكن الجيش الصغير صمد أياما طويلة وقاتل بقيادة الحسين ببسالة
عجيبة مذهلة ، لم يشهد تاريخ الشرق أو الغرب مثيلا لها .
كان الحسين عطشان جائعا . . ورجاله يفتك بهم الظمأ مثله ، وأطفاله
يصرخون في طلب جرعة ماء . . كان الحصار من حوله في كربلاء محكما
جدا ، ألوف من جنود الشيطان يمنعون عنه وعن عياله الماء . . ! ومع ذلك
قاتل وصمد ، ولم يترك سيفه ورمحه إلا بعد أن تمزق جسده بعديد من
السيوف والحراب .
الانتصار — صفحة 386
مساهمون: العاملي
ص٣٨٦