وفي هذا أعظم دلالة على أن تسوية كل قبر مشرف بحيث يرتفع زيادة
على القدر المشروع ؟ واجبة متحتمة . فمن إشراف القبور : أن يرفع سمكها
أو يجعل عليها القباب أو المساجد . فإن ذلك من النهي عنه بلا شك ولا
شبهة . ولهذا فإن النبي صلى الله عليه وسلم بعث لهدمها أمير المؤمنين عليا ، ثم
أمير المؤمنين بعث لهدمها أبا الهياج الأسدي في أيام خلافته .
وأخرج أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وصححه والنسائي وابن حبان
من حديث جابر قال : ( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجصص
القبر ، وأن يبنى عليه ، وأن يوطأ ) . وزاد هؤلاء المخرجون لهذا الحديث عن
مسلم ( وأن يكتب عليه ) . قال الحاكم : النهي عن الكتابة على شرط
مسلم ، وهي صحيحة غريبة . وفي هذا التصريح بالنهي عن البناء على القبور ،
وهو يصدق على ما بني على جوانب حفرة القبر ، كما يفعله كثير من الناس
من رفع قبور الموتى ذراعا فما فوقه ، لأنه لا يمكن أن يجعل نفس القبر
مسجدا ، فذلك مما يدل على أن المراد بعض ما يقربه مما يتصل به ، ويصدق
على من بنى قريبا من جوانب القبر كذلك ، كما في القباب والمساجد
والمشاهد الكبيرة ، على وجه يكون القبر في وسطها أو في جانب منها . فإن
هذا بناء على القبر ، لا يخفى ذلك على من له أدنى فهم ، كما يقال بنى
السلطان على مدينة كذا ، أو على قرية كذا سورا . وكما يقال : بنى فلان
في المكان الفلاني مسجدا ، مع أن سمك البناء لم يباشر إلا جوانب المدينة أو
القرية أو المكان . ولا فرق بين أن تكون تلك الجوانب التي وقع وضع البناء
عليها قريبة من الوسط ، كما في المدينة الصغيرة والقرية الصغيرة والمكان
الضيق ، أو بعيدة في الوسط كما في المدينة الكبيرة والقرية الكبيرة والمكان
الانتصار — صفحة 136
مساهمون: العاملي
ص١٣٦