وكان أول ذلك في قوم نوح ، قال الله سبحانه : ( قال نوح رب إنهم
عصوني واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا ، ومكروا مكرا كبارا ،
وقالوا لا تذرن آلهتكم ، ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا ) .
( كانوا قوما صالحين من بني آدم ، وكان لهم أتباع يقتدون بهم ، فلما
ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم : لو صورناهم كان أشوق لنا إلى
العبادة إذا ذكرناهم فصوروهم . فلما ماتوا وجاء آخرون دب إليهم إبليس ،
فقال : إنما كانوا يعبدونهم ، وبهم يسقون المطر ، فعبدوهم ، ثم عبدتهم العرب
بعد ذلك ) ، وقد حكى معنى هذا في صحيح البخاري عن ابن عباسي رضي
الله عنهما ، وقال قوم من السلف : ( إن هؤلاء كانوا قوما صالحين من قوم
نوح ، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم ثم طال عليهم الأمر
فعبدوهم ) .
ويؤيد هذا ما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن عائشة رضي الله عنها :
( أن أم سلمة رضي الله عنها ذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم كنيسة
رأتها بأرض الحبشة ، وذكرت له ما رأت فيها من الصور . فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم : أولئك قوم إذا مات فيهم العبد الصالح أو الرجل
الصالح بنوا على قبره مسجدا ، وصوروا فيه تلك الصور ، أولئك شرار الخلق
عند الله ) ، وأخرج ابن جرير في تفسير قوله تعالى ( أفرأيتم اللات والعزى )
قال : كان يلت السويق للحاج فمات فعكفوا على قبره . . . وفي صحيح
مسلم وغيره عن أبي الهياج الأسدي قال : ( قال لي علي بن أبي طالب رضي
الله عنه : ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم : أن لا
أدع تمثالا إلا طمسته ، ولا قبرا مشرفا إلا سويته ) وفي صحيح مسلم أيضا
عن ثمامة بن شفي نحو ذلك .
الانتصار — صفحة 135
مساهمون: العاملي
ص١٣٥