تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الانتصار — صفحة 292

مساهمون:

ص٢٩٢
ويكون من الصغائر على قول من يجوزها ، أو يكون الزجر يحصل بدونها . ويحتمل أن يكون اللعن والسب يقع منه من غير قصد إليه ، فلا يكون في ذلك كاللعنة الواقعة رغبة إلى الله وطلبا للاستجابة . وأشار عياض إلى ترجيح هذا الاحتمال الأخير فقال : يحتمل أن يكون ما ذكره من سب ودعاء غير مقصود ولا منوي ، ولكن جرى على عادة العرب في دعم كلامها وصلة خطابها عند الحرج والتأكيد للعتب لا على نية وقوع ذلك ، كقولهم : عقرى حلقي وتربت يمينك ، فأشفق من موافقة أمثالها القدر ، فعاهد ربه ورغب إليه أن يجعل ذلك القول رحمة وقربة . انتهى . وهذا الاحتمال حسن إلا أنه يرد عليه قوله : ( جلدته ) ، فإن هذا الجواب لا يتمشى فيه ، إذ لا يقع الجلد عن غير قصد ، وقد ساق الجميع مساقا واحدا ، إلا إن حمل على الجلدة الواحدة فيتجه . ثم أبدى القاضي احتمالا آخر فقال : كان لا يقول ولا يفعل صلى الله عليه وسلم في حال غضبه إلا الحق ، لكن غضبه لله قد يحمله على تعجيل معاقبة مخالفه وترك الإغضاء والصفح ، ويؤيده حديث عائشة : ما انتقم لنفسه قط إلا أن تنتهك حرمات الله . وهو في الصحيح . قلت : فعلى هذا فمعنى قوله : ( ليس لها بأهل ) أي من جهة تعين التعجيل . وفي الحديث كمال شفقته صلى الله عليه وسلم على أمته وجميل خلقه وكرم ذاته حيث قصد مقابلة ما وقع منه بالجبر والتكريم ، وهذا كله في حق معين وفي زمن واضح ، وأما ما وقع منه بطريق التعميم لغير معين حتى يتناول من لم يدرك زمنه صلى الله عليه وسلم فما أظنه يشمله ، والله أعلم .