واستدلّ بعضهم لاستحباب الغسل للتوبة عن الصغيرة بالإجماع « 1 » .
وأشكل عليه بأنّ الصغيرة لا تحتاج إلى التوبة بعد كونها مكفّرة بترك الكبائر ؛ لقوله تعالى :
« إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ »
« 2 » ، فإذا لم يرتكب كبيرة فلا توبة عليه ولا غسل وإن ارتكب الصغيرة « 3 » .
وأجيب عنه بأنّ الصغائر مكفّرة في حال الغفلة والنسيان ، وأمّا بعد التذكّر فالتوبة عنها واجبة ، والصغيرة - مع ترك التوبة - إذا تكرّرت تكون كبيرة .
على أنّ الكلام في استحباب الغسل للتوبة من الصغيرة لا في وجوب التوبة منها ، فمن قال باستحباب الغسل لها يقول به ولو لم تكن التوبة واجبة ، مضافاً إلى أنّ الصغيرة مكفّرة من تارك الكبيرة ، وأمّا مرتكب الكبيرة فلا كفّارة له بالنسبة إلى صغيرته ، فإذا أراد التوبة منها استحبّ الغسل لها .
ولا وجه هنا لدعوى أنّ التائب لابدّ أن يبادر إلى التوبة من الكبائر ، فإذا تاب من الكبائر تكون الصغائر مكفّرة ؛ لإمكان فرض عدم تمشّي التوبة من الكبائر أحياناً ؛ لغلبة شهوة العبد بالنسبة إليها .
وبهذا يتّضح الجواب عن الإشكال بعدم تبعيض التوبة لا سيّما بالتوبة من الصغيرة ، فإنّ التبعيض ممكن لأجل تفاوت الذنوب في شهوة العبد لها أو طول عادته بالنسبة إليها من غير فرق بين الصغيرة والكبيرة « 4 » .
الجهة الرابعة : ذكر جملة من الفقهاء أنّ وقت الغسل يكون بعد التوبة ، فيتوب العاصي أوّلًا ممّا ارتكبه ثمّ يغتسل ؛ وذلك لأنّ التوبة من الواجبات الفورية فتجب المبادرة إليها ولا يجوز تأخيرها « 5 » .
قال الشيخ الأنصاري : « والظاهر أنّ هذا الغسل مؤخّر عن التوبة الحقيقية ، وهي الندامة بالقلب ؛ لأنّها فورية » ، إلّاأنّه
هامش
( 1 ) المنتهى 2 : 474 . وانظر : مصباح الهدى 7 : 111 .
( 2 ) النساء : 31 .
( 3 ) جواهر الكلام 5 : 54 . مهذّب الأحكام 4 : 305 .
( 4 ) مصباح الهدى 7 : 111 . وانظر : جواهر الكلام 5 : 53 - 54 .
( 5 ) انظر : جامع المقاصد 1 : 77 . المسالك 1 : 107 . عيون المسائل : 161 .