خامساً - مناط التكليف :
اتّفقت كلمة علمائنا على أنّ مناط التكليف هو الظاهر لا الواقع ، وأنّه لا تكليف فوق العلم - كما يستفاد من كلماتهم في شتّى أبواب الفقه - فإنّ اللَّه سبحانه لم يجعل شيئاً من الأحكام الشرعية منوطاً بالواقع ونفس الأمر ؛ دفعاً للحرج ولزوم تكليف ما لا يطاق « 1 » .
فنحن مكلّفون في باب الطهارة - مثلًا - بالطهارة والنجاسة الظاهريتين لا الواقعيتين سواء كانتا من الحدث أو الخبث « 2 » .
وفي باب البيع التكليف بسلامة المبيع عن العيب محمول على السلامة ظاهراً لا السلامة في نفس الأمر « 3 » .
وفي باب النكاح الحكم بتحريم امّ الزوجة متعلّق بمن عُلم زوجيته لا الزوجة الواقعية ؛ ولذا يحرم على مَن اعتقد زوجية امرأة له نكاح أختها ولو كان في الواقع بينهما رضاع ولم يعلماه .
وكذا لا يحرم نكاح أخت مَن كانت زوجة له واقعاً ولم يعلماه كالصغيرين الذين زوّجهما أبواهما ولم يذكره الأبوان حتى ماتا « 4 » . إلى غير ذلك من الموارد العديدة التي يعلم حكمها بمراجعة أبواب الفقه المتفرّقة .
سادساً - الحكمة في اختلاف التكاليف وتنوّعها :
لمّا كان الغرض من التكليف هو اختبار الإنسان ومعرفة مدى قدرته على التسامي والتكامل وتحمّل المسؤولية والتحكّم في الغرائز والميول ، ومن ثمّ تشريفه بثواب اللَّه عزّوجلّ ، اختلف التكليف وتنوّع بهذا اللحاظ ، فحيث إنّ أحوال الناس مختلفة ورغباتهم متفاوتة اختلفت تكاليفهم ؛ فإنّ الإنسان حيث يغلب عليه الكسل وحبّ الراحة وكراهة المتاعب اختبر بما فيه تعب البدن من الطهارة والصلاة ومقدّماتهما ، وحيث يغلب عليه حبّ الشهوات من النساء والشراب والطعام وغيرها من الملاذ اختبر بما فيه منع النفس عنها فكلّف
هامش
( 1 ) الحدائق 2 : 400 .
( 2 ) انظر : كشف اللثام 1 : 379 . الحدائق 2 : 400 - 401 .
( 3 ) جامع المقاصد 8 : 259 .
( 4 ) عوائد الأيّام : 494 . وانظر : الفوائد العلية ( البهبهاني ) 1 : 74 . العناوين 1 : 535 .