إلّا بمنطوقات الأدلّة - كالصدوقين ومثلهما من القدماء - وبين ما إذا كان ممّن يعمل بالأفراد الخفيّة للعمومات واللوازم غير الجلية للملزومات ، فيجوز تقليده في الصورة الأولى دون الثانية ولو كان حيّاً « 1 » .
ولا يخفى أنّهما ليسا في الحقيقة تفصيلًا لما هو مورد البحث في المقام ؛ لأنّ التفصيل الأخير تفصيل في أصل التقليد ولذا لم يفرّق جوازاً ومنعاً بين الحيّ والميّت ، كما أنّ التفصيل المحكي عن العلّامة خارج عن مورد البحث ؛ لأنّ مورد البحث جوازاً ومنعاً إنّما هو في فرض وجود المجتهد الحي وتمكّن المقلّد من الرجوع إليه ، وإلّا ففي فرض انحصار الطريق للعامي بالرجوع إلى فتاوى الأموات فلا إشكال في جواز الرجوع إليها « 2 » .
فيقع البحث في المسألة في مقامين :
المقام الأوّل - تقليد الميّت ابتداءً
: إنّ الدليل العمدة على جواز تقليد الميّت ابتداءً هو السيرة المستمرّة للعقلاء على رجوع الجاهل إلى العالم والمتخصّص ، من دون فرق في ذلك بين كونه حيّاً أو ميّتاً ، فكما أنّ آراء الأحياء في جميع العلوم والفنون تعتبر طرقاً إلى الواقع وكاشفة عنه عند العقلاء فكذلك آراء الأموات بلا فرق بينهما ، فإنّهم يرجعون - مثلًا - إلى الكتب الطبّية التي ألّفها الأطبّاء القدماء لمعالجة الأمراض والأسقام .
ولا يخفى أنّ حجّية هذه السيرة كسائر السير العقلائية تتوقّف على إمضاء الشارع الذي أدناه السكوت وعدم الردع ، ولابدّ في استكشاف إمضاء الشارع لهذه السيرة من إثبات معاصرتها لعصر المعصوم عليه السلام ، وإلّا فلا قيمة لها ، فإنّه لا يمكن وقتئذٍ أن يتّخذ موقفاً تجاه السيرة إثباتاً أو نفياً .
إذاً فلابدّ أوّلًا من إثبات المعاصرة ، وثانياً من عدم ثبوت الرادع عنها .
لكن ذهب بعض المحقّقين إلى عدم صحّة الاستناد إلى بناء العقلاء في المقام ؛ وذلك لأنّ بناء العقلاء إنّما يصبح حجّة
هامش
( 1 ) الوافية : 307 .
( 2 ) انظر : نهاية الأفكار 4 ( القسم الثاني ) : 257 .