الأعلم من شأنه أن تكون فتواه أقرب إلى الواقع من فتوى غيره ، فهذا صحيح ، إلّاأنّه لا كبرى تنطبق على تلك الصغرى ، حيث إنّ الأقربية الطبيعية لم تجعل ملاكاً للتقليد ولا لوجوبه .
وإن أريد الأقربية الفعلية بأن تكون أقرب إلى الواقع بالفعل بالإضافة إلى فتوى غير الأعلم ، فالصغرى غير مسلّمة على إطلاقها ، كيف وقد تكون فتوى غير الأعلم موافقة للمشهور ولأساطين المحققين ممّن هو أعلم من الحي بمراتب ؟ ! ومعه كيف تكون فتوى الأعلم أقرب إلى الواقع من فتوى غير الأعلم « 1 » ؟ !
وناقش في ذلك المحقّق الأصفهاني بأنّ الفتوى إذا كانت حجّة شرعاً أو عقلًا لأجل إفادة الظنّ وأقربيتها إلى الصواب من غيرها فلا محالة ليس لأجل مطلق الظن بحكم اللَّه تعالى ، ولذا لا يجوز للعامي العمل بظنّه بل لأجل أنّه خصوص ظنّ حاصل من فتوى من يستند إلى الحجّة القاطعة للعذر ، فالحجّة شرعاً أو عقلًا هو الظن الحاصل من الفتوى ، لا الظن بما أفتى به المجتهد وإن لم يحصل من فتوى المجتهد .
وعليه فالفرق بين الأقربية الداخلية والخارجية في كمال المتانة ، مضافاً إلى أنّ مطابقة فتوى المفضول لفتوى الأفضل من الأموات وإن كانت تفيد ظنّاً أقوى من الحاصل من فتوى الأفضل إلّاأنّه لا حجّية لفتوى الميّت حتى يكون الظن الحاصل من مطابقة المفضول له حجّة أقوى ، فمطابقته له كمطابقته لسائر الأمارات غير المعتبرة ، كما أنّ مطابقة فتوى المفضول لفتاوى جملة من الأحياء لا تفيد ظنّاً أقوى ؛ إذ المطابقة لتوافق مداركهم وتقارب أفهامهم وأنظارهم ، فالمدرك واحد والأنظار المتعدّدة في قوّة نظر واحد ، ولا يكشف التوافق عن أقوائية مدركهم ، وإلّا لزم الخلف ؛ لفرض أقوائية نظر الأفضل من غيره « 2 » .
وأجاب السيّد الخميني عن هذه المناقشة بأنّ المقصود في منع الصغرى إنّما هو ردّ أقربية فتوى الأفضل إلى الواقع عن غيره ، وهذا يحصل بتوافق رأي
هامش
( 1 ) انظر : التنقيح في شرح العروة ( الاجتهاد والتقليد ) : 147 . فقه الشيعة ( الاجتهاد والتقليد ) 1 : 81 .
( 2 ) بحوث في الأصول 3 : 53 - 54 .