جهة أنّ أدلّة حجّية فتوى المجتهد إنّما تكون بصدد بيان أصل جواز الأخذ بقول العالم لا في كلّ حال من غير تعرّض أصلًا لصورة معارضته بقول الفاضل « 1 » .
هذا كلّه بناءً على تسليم دلالة الأدلّة المتقدّمة على مشروعية التقليد وأصل حجّية فتوى المجتهد .
ثمّ إنّه قد يستدلّ على جواز الرجوع إلى غير الأعلم بإطلاق الأخبار الدالّة على إرجاع الأئمّة عليهم السلام الناس إلى جمع من أصحابهم ، مثل : يونس بن عبد الرحمن وزكريا بن آدم ، بتقريب : أنّ هؤلاء الذين أرجعوا الناس إليهم والسؤال عنهم قد كانوا مختلفين في العلم والفضيلة وكذا في الرأي والفتوى ، ولو لم يجز ذلك لوجب الإرجاع إلى الأعلم منهم في صورة علم السائل بمخالفة فتواه لفتوى غيره .
ويرد عليه :
أوّلًا : أنّ الإرجاع إلى شخص معيّن إنّما يقتضي حجّية قوله وجواز الرجوع إليه في الجملة ، ولا يشمل صورة الاختلاف وإلّا تعارض مع ما دلّ على الإرجاع إلى شخص آخر معيّن بل مع ما دلّ على الإرجاع إلى العنوان العام كعنوان الفقهاء « 2 » .
وثانياً : ما ذكره السيّد الخوئي بناءً على ما ذهب إليه من عدم شمول إطلاق أدلّة الحجّية للمتعارضين ، وهو أنّ هذه الأخبار إنّما تدلّ على المدّعى بالإطلاق ؛ لأنّها ليست واردة في مورد العلم بالمخالفة - التي هي محلّ الكلام - لتكون كالنص في الدلالة على حجّية فتوى غير الأعلم في محلّ الكلام ، وإطلاق أدلّة الحجّية لا يشمل المتعارضين ؛ لأنّ شمولها لكلا المتعارضين يستلزم الجمع بين الضدين أو النقيضين ، وشمولها لأحدهما المعيّن دون الآخر بلا مرجّح ، ولأحدهما المخيّر لا دليل عليه ، وعليه يكون مقتضى القاعدة هو التساقط في كلا الدليلين المتعارضين .
اللّهمّ إلّاأن يقوم دليل على الترجيح أو التخيير كالأخبار العلاجية ، وهو مختص بالخبرين المتعارضين ولا دليل عليه في
هامش
( 1 ) كفاية الأصول : 475 . وانظر : تنقيح الأصول 4 : 633 . تفصيل الشريعة ( الاجتهاد والتقليد ) : 154 - 155 .
( 2 ) انظر : مستمسك العروة 1 : 28 .