يساوي بعضهم بعضاً لا اختلاف بينهم ولا فضل لأحدهم على غيره ، وأنّ الاختلاف المترائي في الخلقة من حيث الشعوب والقبائل إنّما هو للتوصّل به إلى تعارفهم ليقوم به الاجتماع المنعقد بينهم ؛ إذ لا يتم ائتلاف ولا تعاون وتعاضد من غير تعرّف ، فهذا هو غرض الخلقة من الاختلاف المجعول ، لا أن تتفاخروا بالأنساب وتتفاضلوا بأمثال البياض والسواد ، فيستعبد بذلك بعضهم بعضاً ، ويستخدم إنسان إنساناً ، ويستعلي قوم على قوم ، فينجرّ إلى ظهور الفساد في البرّ والبحر وهلاك الحرث والنسل ، فينقلب الدواء داء .
ثمّ نبّه سبحانه في الآية بهذه الجملة أعني قوله :
« إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ »
« 1 » على ما فيه الكرامة عنده ، وهي حقيقة الكرامة .
وذلك أنّ الإنسان مجبول على طلب ما يتميّز به من غيره ويختص به من بين أقرانه من شرف وكرامة ، وعامة الناس لتعلّقهم بالحياة الدنيا يرون الشرف والكرامة في مزايا الحياة المادية من مال وجمال ونسب وحسب وغير ذلك ، فيبذلون جلّ جهدهم في طلبها واقتنائها ليتفاخروا بها ويستعلوا على غيرهم .
وهذه مزايا وهمية لا تجلب لهم شيئاً من الشرف والكرامة دون أن توقعهم في مهابط الهلكة والشقوة ، والشرف الحقيقي هو الذي يؤدي الإنسان إلى سعادته الحقيقية ، وهو الحياة الطيّبة الأبدية في جوار ربّ العزّة ، وهذا الشرف والكرامة هو بتقوى اللَّه سبحانه ، وهي الوسيلة الوحيدة إلى سعادة الدار الآخرة ، وتتبعها سعادة الدنيا ، قال تعالى :
« تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ »
« 2 » ، وقال سبحانه :
« وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى »
« 3 » ، وإذا كانت الكرامة بالتقوى فأكرم الناس عند اللَّه أتقاهم كما قال تعالى « 4 » .
وقد وقع الكلام بين العلماء في التفاضل بين مراتب الأنبياء والملائكة ، وبين الأئمّة والأنبياء والملائكة ، وبين الملائكة والمؤمنين ، نشير إليه فيما يلي :
هامش
( 1 ) الحجرات : 13 .
( 2 ) الأنفال : 67 .
( 3 ) البقرة : 197 .
( 4 ) الميزان 18 : 327 .