والتفكّر والتدبّر في آيات القرآن الكريم عند تلاوته ، وأمّا التفكّر في ذاته تعالى والوسوسة في خلقه فمنهي عنه ، وتفصيل الكلام فيه كما يلي :
1 - التفكّر في آيات اللَّه وعظيم صنعه :
المستفاد من النصوص المتقدّمة وكذلك حكم العقل والفطرة أنّ التفكّر في آيات اللَّه عزّوجلّ وعظمته واجب من أجل الوصول إلى العقيدة الصحيحة الحقّة ، فإنّ اللَّه سبحانه وتعالى لمّا منحنا قوّة التفكّر ووهب لنا العقل ، أمرنا أن نتفكّر في خلقه وننظر بالتأمّل في آثار صنعه ، ونتدبّر في حكمته وإتقان تدبيره في آياته في الآفاق وفي أنفسنا .
قال اللَّه سبحانه وتعالى في محكم كتابه الكريم :
« سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ »
« 1 » .
وقد ذمّ المقلّدين لآبائهم بقوله عزّ من قائل :
« قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ »
« 2 » .
كما ذمّ من يتّبع ظنونه ورجمه بالغيب فقال :
« إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ »
« 3 » .
وفي الحقيقة أنّ الذي نعتقده أنّ عقولنا هي التي فرضت علينا النظر في الخلق ومعرفة خالق الكون كما فرضت علينا النظر في دعوى من يدّعي النبوّة وفي معجزته ، وعدم تقليد الغير في ذلك مهما كانت منزلته وخطره .
وما جاء في القرآن الكريم من الحثّ على التفكير واتّباع العلم والمعرفة فإنّما جاء مقرّراً لهذه الحرّية الفطرية في العقول التي تطابقت عليها آراء العقلاء ، وجاء منبّهاً للنفوس التي جبلت عليها من الاستعداد للمعرفة والتفكير ، ومفتّحاً للأذهان وموجّهاً لها على ما تقتضيه طبيعة العقول .
فلا يصحّ - والحال هذه - أن يهمل الإنسان نفسه في الأمور الاعتقادية أو يتّكل على تقليد المربّين أو أيّ شخص آخر مهما كانت منزلته وعنوانه ، بل يجب عليه - بحسب الفطرة العقلية المؤيّدة بالنصوص القرآنية - أن يفحص ويتأمّل
هامش
( 1 ) فصّلت : 53 .
( 2 ) البقرة : 170 .
( 3 ) الأنعام : 116 .