ومن هنا وقع الخلاف بين علماء الأصول في جريان هذا الاستصحاب ، فالمشهور قبل المحقّق النائيني هو جريان الاستصحاب التعليقي ، إلّاأنّ هذا المحقّق الكبير برهن على عدم جريانه ، فأصبح المشهور بعده عدم الجريان « 1 » .
ثمّ إنّ الذين ذهبوا إلى جريانه برّروا ذلك بتمامية أركان الاستصحاب فيه ، فالمقتضي له موجود فيه والمانع منه مفقود ، فلا مبرّر لعدم جريانه أصلًا .
وقد انعكس هذا في كلمات الشيخ الأنصاري وغيره ، قال الشيخ الأنصاري :
« فإذا قلنا : ( العنب يحرم ماؤه إذا غلى أو بسبب الغليان ) فهناك لازم وملزوم وملازمة ، أمّا الملازمة - وبعبارة أخرى سببية الغليان لتحريم ماء العصير - فهي محقّقة بالفعل من دون تعليق ، وأمّا اللازم - وهي الحرمة - فله وجودٌ مقيّد بكونه على تقدير الملزوم ، وهذا الوجود التقديري أمر متحقّق في نفسه في مقابل عدمه ، وحينئذٍ فإذا شككنا في أنّ وصف العنبية له مدخل في تأثير الغليان في حرمة مائه فلا أثر للغليان في التحريم بعد جفاف العنب وصيرورته زبيباً ، فأيّ فرق بين هذا وبين سائر الأحكام الثابتة للعنب إذا شكّ في بقائها بعد صيرورته زبيباً ؟ » « 2 » .
وحاصله : أنّ الملازمة الثابتة بين الغليان والتحريم ثابتة بالفعل من دون تعليق ، نشكّ في بقائها بعد زوال وصف العنبية فيستصحب بقاؤها .
بينما ذهب المحقّق النائيني إلى عدم الجريان ؛ استناداً إلى أنّه ليس في الحكم الشرعي إلّاالجعل والمجعول ، والجعل لا شكّ فيه فالركن الثاني للاستصحاب مختلّ ، والمجعول لا يقين بحدوثه ، فالركن الأوّل مختلّ ، وأمّا القضية الشرطية - وهي :
إذا غلى يحرم - فليس لها وجود في عالم التشريع بما هي قضية شرطية وراء الجعل والمجعول ليجري استصحابها « 3 » .
هذا وتترتّب على الخلاف في جريان هذا الاستصحاب أحكام فقهية مهمّة يراجع تفصيلها في محالّها .
هامش
( 1 ) بحوث في علم الأصول 6 : 281 .
( 2 ) فرائد الأصول ( تراث الشيخ الأعظم ) 3 : 223 .
( 3 ) انظر : أجود التقريرات 4 : 123 - 125 .