بالواجب مع قصد القربة أو البراءة ليثبت به عدم لزوم ذلك وكفاية الإتيان بالواجب بدون قصد القربة ؟ فيه خلاف ، ومردّ الخلاف هنا هو الخلاف في مسألة الدوران بين الأقلّ والأكثر الارتباطيين اعتباراً له صغرى لتلك الكبرى بانسحاب حكمها عليه ، فاختلفوا على قولين :
الأوّل : أصالة الاشتغال ، وقد ذهب إليه المحقّق الخراساني ؛ مبرّراً ذلك بعدم وجود أصل لفظي هنا يدلّ على التعبّدية أو التوصّلية من جهة ، ومن جهة أخرى اعتبار قصد الامتثال والإتيان بالواجب بداعي أمره بحكم العقل ؛ لاحتمال دخله في غرض الآمر ، فمتى شكّ في تحقّق الغرض فالمرجع هو الاشتغال لا البراءة ، فلابدّ من إتيانه ليطمئن بحصول غرضه ، ويحصل له الفراغ اليقيني بعد حصول الاشتغال اليقيني .
وأمّا عدم جريان البراءة الشرعية فلأنّ قصد الأمر - كما تقدّم - لا يمكن جعله وتشريعه في متعلّق الأمر من قبل الشارع ، فإذا لم يمكن جعله لم يمكن رفعه أيضاً .
هذا بناءً على أنّ حديث الرفع إنّما يرفع ما هو قابل للجعل .
هذا هو الفارق عنده بين المقام ومسألة الأقل والأكثر ، حيث ذهب هناك إلى البراءة الشرعية على أساس أنّ الأكثر قابل للجعل فيكون قابلًا للرفع دون المقام ، فأصالة الاشتغال الفعلي محكّمة هنا دون ما هناك « 1 » .
القول الثاني : البراءة ، وهو القول المعروف بين الأصوليين وخاصة الشرعية منها ؛ مبرراً ذلك بإمكان أخذ قصد القربة في متعلّق الأمر - كما تقدّم - ولو بالأمر الثاني - كما اختاره المحقّق النائيني « 2 » - فعند الشكّ في اعتبار قصد القربة وعدمه تجري البراءة عنه ؛ لأنّه لمّا كان قابلًا للوضع فيكون قابلًا للرفع أيضاً . وذهب إلى ذلك جملة من الأعلام « 3 » .
هامش
( 1 ) انظر : كفاية الأصول : 75 . المحاضرات 2 : 193 - 195 .
( 2 ) انظر : أجود التقريرات 1 : 176 .
( 3 ) انظر : مطارح الأنظار 1 : 318 . أجود التقريرات 1 : 176 . نهاية الأفكار 1 - 2 : 201 - 202 . نهاية الدراية 1 : 347 - 348 . بحوث في علم الأصول 2 : 104 - 107 . مناهج الوصول 1 : 278 - 280 . المحاضرات 2 : 193 .