5 - التدرّج في البيان
: ومن أهم عوامل نشوء التعارض بين الروايات أيضاً أسلوب التدرج الذي كان يسلكه أئمّتنا عليهم السلام في مجال بيان الأحكام الشرعية وتبليغها إلى الناس ، حيث لم يكونوا يفصحون عن الحكم وتفاصيله وكلّ أبعاده دفعة واحدة وفي مجلس واحد في أكثر الأحيان ، بل كانوا يؤجلون بيان التحديدات والتفاصيل إلى أن تحين فرصة أخرى ، أو يتصدّى الراوي بنفسه للسؤال عنها ثانية .
وهذه ظاهرة واضحة في حياة الأئمّة عليهم السلام التثقيفية مع أصحابهم ورواة أحاديثهم ، يلحظها كلّ من تتبّع ودرس الأحاديث الصادرة عنهم .
وربما تلحظ هذه الحالة في الحديث الواحد ، حيث يبيّن الإمام عليه السلام الحكم الشرعي أوّلًا على سبيل الإيجاز ويسكت عن التفاصيل لولا إلحاح السائل بعد ذلك وتصدّيه بنفسه لفهم حدود الحكم ودقائقه .
كما نشاهد ذلك في مثل رواية العيص ابن القاسم ، قال : قال أبو عبد اللَّه عليه السلام - في حديث - : « كره النقاب » - يعني للمرأة المحرمة - وقال : « تسدل الثوب على وجهها » ، قلتُ : حدّ ذلك إلى أين ؟ قال :
« إلى طرف الأنف قدرَ ما تُبصر » « 1 » .
فإنّ جواب الإمام عليه السلام بجواز إسدال المرأة الثوب على وجهها من دون تقييد ذلك بطرف الأنف ظاهر في جواز إسدالها على كامل وجهها ، ولكن تصدّي السائل ثانياً للسؤال عن حدّ ذلك الحكم أوجب أن يبيّن الإمام عليه السلام ما يكون منافياً مع الجواب الأوّل ومقيّداً له .
ولعلّ السبب الذي كان يدعو لهذا التدرّج في البيان هو مراعاة حالة المتشرّعة التي لم تكن تسمح لهم باستيعاب التفاصيل كلّها دفعة واحدة في ظلّ تلك الظروف السياسية ، ومع تلك الإمكانات المحدودة المستعصي معها التعليم والتعلّم من جهة ، وتطبيقاً لفكرة التدرّج الطبيعي في مجال التربية والتثقيف على الأحكام الشرعية تلك الفكرة التي
هامش
( 1 ) الوسائل 12 : 493 ، ب 48 من تروك الإحرام ، ح 2 .