5 - ارتكاب الحلال برجاء حرمته :
هناك بعض الموارد التي وقع البحث في صدق التجرّي عليها ، كارتكاب الحلال برجاء مصادفته الحرام الواقعي ، كما لو شرب المتجرّي مائعاً مستصحب الحلّية برجاء أن يكون خمراً ، حيث اعتبر المحقّق النائيني ذلك من التجرّي ورتّب عليه أحكامه « 1 » .
ونوقش فيه بأنّه إن أراد بالتجرّي نفس الفعل الذي قام به المتجرّي فهو غير تام ؛ لأنّه بحسب الفرض عمل مباح ، له مؤمّن شرعي يستند إليه .
وإن أراد الحالة النفسية للمتجرّي وشوقه إلى الحرام الواقعي وعدم مبالاته بحفظ أحكام الشارع وملاكاته ، فهذا صحيح بناء على سعة دائرة حقّ الطاعة وشمولها لمثل ذلك ؛ لأنّه حقّ مطلق يستحقّ صاحبه الانقياد والطاعة المطلقة حتى على هذا المستوى ، إلّا أنّه لا ربط له بشرب الماء برجاء مصادفته للخمر الواقعي ، بل له ربط بفعل نفساني واستعداد واهتمام بما لا يريده المولى « 2 » .
6 - استلزام التجرّي للفسق :
وقع البحث بين الفقهاء في استلزام التجرّي لزوال العدالة وثبوت الفسق ، فمنهم من ذهب إلى عدم استلزامه ذلك « 3 » ؛ لإمكان حدوث التجرّي مع بقاء ملكة امتناع النفس عن ارتكاب المعاصي ، فلا ملازمة بين التجرّي وزوال هذه الملكة ، ولا يكون التجرّي مستلزماً للفسق إلّا على القول بتحريمه « 4 » . ومنهم من ذهب إلى استلزامه الفسق ، لكشفه عن عدم وجود ملكة نفسانية رادعة عن ارتكاب المعاصي ، ومن لا ملكة له لا عدالة له « 5 » .
وأورد عليه :
أوّلًا : بأنّ هذا الكلام لا يتم بناء على تعريف العدالة بالاستقامة العملية على جادّة الإسلام ؛ إذ لا دليل على اشتراط شيء آخر فيها غير الإتيان بالواجبات وترك المحرّمات .
هامش
( 1 ) نقله عن المحقّق النائيني في بحوث في علم الأصول 4 : 65 .
( 2 ) انظر : بحوث في علم الأصول 4 : 65 .
( 3 ) بدائع الأفكار : 334 .
( 4 ) منتهى الأصول 2 : 374 .
( 5 ) انظر : بحر الفوائد 1 : 28 .