رابعاً - حكم التجرّي :
صرّح الفقهاء بحرمة التجرّي « 1 » ، بل يظهر من جماعة الإجماع عليه « 2 » .
وقد استدلّوا له بالأدلّة التالية :
الأوّل : إطلاق ملاك الحكم الواقعي الشامل لموارد التجرّي ؛ لتعلّق الإرادة التشريعية بالفعل الصادر عن إرادة المكلّف واختياره ، والمفروض أنّ إرادته تابعة لقطعه ، فلا محالة يكون متعلّق التكليف هو ما تعلّق به القطع ، سواء كان مطابقاً للواقع أو مخالفاً له ؛ لأنّ المطابقة للواقع والمخالفة له خارجان عن اختيار المكلّف ، فلا معنى لإناطة التكليف والعقاب بهما « 3 » .
وأورد عليه :
أوّلًا : بالنقض بعدم صحّة صلاة من قطع بدخول الوقت ثمّ تبيّن عدم دخوله « 4 » .
وثانياً : بأنّ الإرادة وإن كانت ناشئة من علم المكلّف وقطعه بالحكم إلّا أن القطع إنّما يتّبع لكونه طريقاً إلى الواقع وليس لخصوصية فيه ، فإنّ القاطع بوجود الماء إنّما يتحرّك باتّجاه الماء لانكشافه لديه ، لا لحدوث صفه القطع عنده ، بما هي صفة نفسانية « 5 » .
وثالثاً : بأنّ المشهور من مذهب العدلية تبعيّة الأحكام للمصالح والمفاسد ، كما يستفاد ذلك من ظواهر الأدلّة الشرعية ، كقوله تعالى :
( إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ )
« 6 » ، فإنّ الظاهر منها كون النهي عن الفحشاء والمنكر من آثار نفس الصلاة لا ممّا قطع بكونه صلاة ، ولو لم يكن في الواقع صلاة « 7 » .
الدليل الثاني : أنّ التجرّي كاشف عن سوء سريرة العبد وخبث باطنه وكونه في مقام الطغيان على المولى ، فهو مستلزم
هامش
( 1 ) انظر : القضاء ( الآشتياني ) : 70 .
( 2 ) المنتهى 4 : 107 . كشف اللثام 3 : 109 . مفتاح الكرامة 5 : 210 . وانظر : فرائد الأصول ( تراث الشيخ الأعظم ) 1 : 37 .
( 3 ) انظر : أجود التقريرات 3 : 43 - 45 .
( 4 ) مصباح الأصول 2 : 21 .
( 5 ) فوائد الأصول 3 : 39 .
( 6 ) العنكبوت : 45 .
( 7 ) مصباح الأصول 2 : 21 .