نعم ، يعتقد الكثير من هؤلاء بثبوت العقوبة في حقّ المتجرّي ؛ لهتكه حرمة مولاه ، وخروجه عن زي العبودية ، بلا فرق بينه وبين العاصي الذي ارتكب المخالفة الواقعية « 1 » ، وإن نفى آخرون العقوبة عنه ؛ لأنّ ما يوجب العقاب هو القبح الفعلي دون الفاعلي ، والقبح في التجرّي فاعلي وليس فعلياً ، واللّه يحاسب على الأفعال دون غيرها « 2 » .
وفصّل المحقّق الأصفهاني بين حالات التجرّي ؛ لاختلاف قبحه باختلاف الحالات التي يمرّ بها ، فيشتدّ إذا صادف معصية واقعية ، لاجتماع ملاكين للقبح فيه ، ويقلّ إذا صادف مكروهاً ، ويقلّ أكثر من ذلك إذا صادف مباحاً .
وأمّا لو صادف واجباً فحينئذٍ يقع التزاحم بين ملاكي حسن الوجوب وقبح التجرّي ، فربما يتساويان ، وربما يكون ملاك الوجوب أقوى فيقدّم على ملاك التجرّي فيزول قبحه وتحريمه ، وربما يكون ملاك التجرّي أقوى فيقدّم عليه ويبقى قبحه وتحريمه على ما كان عليه « 3 » .
وأورد عليه :
أوّلًا : بأنّ مرتبة التجرّي متأخّرة عن مرتبة الحكم الواقعي ؛ لوقوع التجرّي في مرتبة العصيان ، وهي متأخّرة عن مرتبة الحكم ، فلا منافاة بينهما حتى يصار إلى الكسر والانكسار المدّعى « 4 » .
وثانياً : بأنّ الحسن والقبح ليسا مجعولين بملاك حفظ المصلحة ودفع المفسدة ، فربما يكون إقدام المكلّف على ما فيه مصلحة قبيحاً عقلًا ، وربما يكون إقدامه على ما فيه مفسدة حسناً ، فالبابان يختلفان موضوعاً ومحمولًا ، فإنّ المصلحة والمفسدة أمران واقعيان وجوديان بخلاف الحسن والقبح فإنّهما أمران ذاتيان حقيقيان في لوح الواقع ، وهو أوسع من لوح الوجود .
هامش
( 1 ) كفاية الأصول : 262 . تقريرات ( الشيرازي ) 3 : 282 - 285 . نهاية الأفكار 2 : 30 - 31 ، 35 . درر الفوائد ( الحائري ) : 335 - 340 . مصباح الأصول 2 : 27 - 28 . ، أنوار الهداية 1 : 54 .
( 2 ) فرائد الأصول ( تراث الشيخ الأعظم ) 1 : 39 - 40 . فوائد الأصول 3 : 50 - 53 .
( 3 ) الفصول الغروية : 431 - 432 .
( 4 ) انظر : نهاية الأفكار 2 : 38 - 39 .