وهكذا إلى ما لا نهاية « 1 » .
الدليل الثالث : التمسّك بالإجماع المدّعى في مسألة حرمة تأخير الواجب مع الظن بضيق الوقت حتى ولو انكشف بعد ذلك سعة الوقت وعدم ضيقه « 2 » .
وأورد عليه :
أوّلًا : بأنّ المقصود من الإجماع إن كان هو المنقول فهو ليس بحجّة ، وإن كان المحصّل فهو غير حاصل ، بل نقل الخلاف في المسألة ، مع أنّه لا يصحّ الاعتماد على هذا الإجماع ؛ لكونه مدركيّاً يستند إلى العقل والنقل .
وثانياً : بأنّ الثابت في المسألة المذكورة هو استحقاق العقاب وهو أعم من الحرمة ؛ إذ قد يستحقّ المكلّف العذاب ولا يكون عمله محرّماً « 3 » ؛ لاستلزام القول بالحرمة للتسلسل كما تقدّم .
الدليل الرابع : الأخبار التي قد يستدلّ بها على حرمة التجرّي « 4 » كقول رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم في رواية زيد بن علي عن آبائه عليهمالسلام : « إذا التقى المسلمان بسيفهما على غير سنّة فالقاتل والمقتول في النار » ، قيل : يا رسول اللّه ، هذا القاتل فما بال المقتول ؟ قال : « لأنّه أراد قتلًا » « 5 » .
وأورد عليه - مضافاً إلى ضعف سندها - بأنّها ناظرة إلى قصد ارتكاب معصية القتل الواقعية وإن منع من تحقّقها مانع ؛ إذ لولا المانع لتحقّق القتل الواقعي ، مع أنّه لابدّ في صدق التجرّي من قصد ما يتخيّل كونه معصية لا قصد نفس المعصية « 6 » .
هذا مجمل الأدلّة التي يمكن الاستدلال بها على حرمة التجرّي ، ولمّا كانت غير كافية لإثبات الحرمة باعتقاد أكثر المعاصرين فقد ذهبوا إلى نفيها ، خصوصاً وأنّ الفعل المتجرّى به كان مباحاً قبل ذلك فلابدّ من الأخذ بحكمه حتى يثبت خلافه .
هامش
( 1 ) تقريرات ( الشيرازي ) 3 : 277 - 279 . مصباح الأصول 2 : 26 - 27 .
( 2 ) المنتهى 4 : 107 . كشف اللثام 3 : 109 . مفتاح الكرامة 5 : 210 . وانظر : فرائد الأصول ( تراث الشيخ الأعظم ) 1 : 37 .
( 3 ) أي : قد يثبت العقاب بسبب قبح التجرّي عقلًا ولا تثبت الحرمة ، بناءً على عدم الملازمة . انظر : بحوث في علم الأصول 4 : 63 .
( 4 ) فرائد الأصول ( تراث الشيخ الأعظم ) 1 : 46 - 48 .
( 5 ) الوسائل 15 : 148 ، ب 67 من جهاد العدوّ ، ح 1 .
( 6 ) مصباح الأصول 2 : 29 .