أنّ المراد من أهل العدل هنا كلّ من كان متابعاً للإمام العادل في جهاد البغاة ولو كان ذمّياً قد استعان الإمام به في دفع البغاة « 1 » ؛ وذلك لفرض احترامهم نفساً ومالًا كالمسلم .
إلّا أنّه قد يدّعى هنا عدم الضمان مع الصلح لا من دونه ، باعتبار دلالة الآية عليه ، قال الشيخ الطوسي - مقرّباً الدليل وإن لم يوافق عليه - : « قالوا في الآية خمس فوائد : . . . الرابعة : أنّ الصلح إذا وقع بينهم فلا تبعة على أهل البغي في دم ولا مال ؛ لأنّه ذكر الصلح أخيرا كما ذكره أوّلًا ، ولم يذكر تبعةً ، فلو كانت واجبة ذكرها » « 2 » .
وكأنّ مراد المستدلّ أنّ خلوّ الآية عن ذكر الضمان مع كونها في مقام بيان أحكام البغي ظاهر في نفي الضمان .
وقد يجاب عنه : أوّلًا : بإنكار كونها في مقام بيان تمام ما يتعلّق بالبغي ، وهذا واضح بعد النظر فيما مرّ من الأحكام ، فإنّ الآية خالية عن أكثرها ، فهي بمقام التأكيد على التصالح بين المؤمنين وجواز قتال الباغية في الجملة ، ولا ظهور لها في نفي الضمان ، فلابدّ بالنسبة لما لم يذكر فيها من الأحكام من الرجوع إلى سائر الأدلّة من العمومات والمطلقات .
ثانياً : بأنّ ظهورها لو فرض فهو سكوتي ويكفي في الردع عنه عمومات ضمان المال والنفس . وليس الأمر في المسألة بحيث لا يمكن الاعتماد عليها في الردع حتى يحتاج إلى التخصيص بالذكر .
ثالثاً : بأنّ الآية وإن كانت ساكتة بالنسبة لبعض الأحكام إلّا أنّها بالنسبة للضمان غير ساكتة ؛ لما في ذيل الآية من قوله تعالى :
( وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ )
« 3 » ؛ إذ لا يتمّ العدل والقسط بينهما إلّا بإعادة ما أخذه الباغي وأتلفه من مال ونفس .
هذا ، والإشكال المذكور إنّما هو على تقدير وقوع التصالح ، وأمّا مع عدمه فالضمان ثابت بلا إشكال ، ولكن قد يستظهر من محكي الإسكافي عدم الضمان
هامش
( 1 ) جامع المقاصد 3 : 484 . المسالك 3 : 94 . جواهر الكلام 21 : 347 .
( 2 ) المبسوط 5 : 298 - 299 .
( 3 ) الحجرات : 9 .