ويستعمل كثيراً مطلقاً ويراد به سبيل اللَّه .
والنسبة بين الإنفاق والإيثار - بالمعنى اللغوي - هي العموم والخصوص من وجه ؛ لأنّ الإنفاق قد يكون على النفس ، بل وإذا كان على الغير لا يلزم أن يكون من باب الإيثار ، كما أنّه ليس كلّ تقديم للغير على النفس مربوطاً بالإنفاق .
ثالثاً - الحكم الإجمالي ومواطن البحث :
الإيثار تارةً يكون للنفس على الغير ، وأخرى للغير على النفس ، فهنا أمران :
الأوّل - إيثار النفس على الغير :
إيثار النفس على الغير إذا كان في الأمور الدينية والقربية كالعبادات - مثل : أن يتقدّم للصلاة جماعة في الصفوف الأولى أو يسابق إلى الإنفاق الراجح أو إلى طلب العلم أو غير ذلك - فلا بأس به ، بل هو راجح في الجملة ، قال سبحانه وتعالى :
« فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ »
« 1 » ، وقال عزّ من قائل :
« وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ »
« 2 » ؛ ولهذا قيل بنفي الإيثار في العبادات « 3 » .
وأمّا إيثار النفس على الغير في غير هذه الموارد فهو جائز بعنوانه الأولي وإن كان مرجوحاً في الجملة كما سيظهر قريباً بعون اللَّه تعالى .
الثاني - إيثار الغير على النفس :
يستحبّ الإيثار في نفسه - في غير ما تقدّم - ما لم يعرض عليه عنوان آخر يجعله واجباً أو محرّماً أو مكروهاً ، وهو من الخصال الأخلاقية الممدوحة التي تعبّر عن نكران الذات وعن معاني التضحية والوفاء .
وتدلّ على استحبابه الآيات والأخبار :
فمن الآيات قوله تعالى :
« وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ »
« 4 » . ووجه الدلالة واضح ؛ ضرورة كونها بصدد مدح الذين يفعلون ذلك .
ومن الأخبار رواية سماعة ، قال : سألت أبا عبد اللَّه عليه السلام عن الرجل ليس عنده إلّا قوت يومه ، أيعطف من عنده قوت يومه على من ليس عنده شيء ؟ ويعطف من عنده قوت شهر على مَن دونه ؟ والسنة على نحو ذلك ؟ أم ذلك كلّه الكفاف الذي لا يُلام عليه ؟ فقال : « هو أمران ، أفضلكم فيه أحرصكم على الرغبة والإثرة على نفسه ؛ فإنّ اللَّه عزّوجلّ يقول :
« وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ » ،
والأمر الآخر لا يلام على الكفاف ، واليد العليا خير من اليد السفلى ، وابدأ بمن تعول » « 5 » .
ورواية أبي بصير عن أحدهما عليهما السلام قال : قلت له : أيّ الصدقة أفضل ؟ قال : « جُهد المقِلّ « 6 » ، أما سمعت اللَّه عزّوجلّ يقول :
« وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ » ،
ترى هاهنا فضلًا » « 7 » .
ورواية علي بن سويد السائي عن أبي الحسن موسى عليه السلام قال : . . . فشكوت إليه قلّة ذات يدي . . . فقال : « صُم وتصدّق » ، قلت : أتصدّق ممّا وصلني به إخواني وإن
هامش
( 1 ) البقرة : 148
( 2 ) آل عمران : 133
( 3 ) مستمسك العروة 7 : 356
( 4 ) الحشر : 9
( 5 ) الوسائل 9 : 431 ، ب 28 من الصدقة ، ح 5
( 6 ) رجل مُقلّ وأقلّ : فقير . لسان العرب 11 : 288
( 7 ) الوسائل 9 : 431 - 432 ، ب 28 من الصدقة ، ح 7