عملية ، ولما كان الإيمان والاعتقاد من الأمور القلبية فلا سبيل للإكراه إليه ، وإنّما الإكراه يكون في الأعمال الظاهرية والأفعال والحركات البدنية ، وأمّا الاعتقاد القلبي فله أسباب أخرى قلبية هي من سنخ الاعتقاد والإدراك « 1 » .
فقوله تعالى :
« لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ »
« 2 » إن كان قضية إخبارية حاكية عن حال التكوين - كما عليه السيّد الخوئي « 3 » - فالمراد منها بيان ما تكرّر ذكره في الآيات القرآنية كثيراً من أنّ الشريعة لا تبتني على الجبر لا في أصولها ولا في فروعها ، وأنّ مقتضى الحكمة هو إرسال الرسل وإنزال الكتب وبيان الأحكام ؛ ليحيى من حيّ عن بيّنة ، ويهلك من هلك عن بينة .
أمّا إذا كان ذلك قضية إنشائية - كما عليه السيّد الطباطبائي « 4 » ، ويشهد له تعقيبه بقوله تعالى :
« قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ »
« 5 » - كان نهياً عن الحمل على الاعتقاد والإيمان كرهاً ؛ حيث إنّ الإكراه - كما تقدّم - إنّما يؤثّر في الأفعال البدنية دون الاعتقادات القلبية ، فيكون تبيّن الرشد بمنزلة التعليل له ، بمعنى أنّه يركن إلى الإكراه فيما لا سبيل فيه إلى بيان وجه الحقّ ؛ لبساطة فهم المأمور أو لأسباب أخرى .
وأمّا الأمور المهمّة التي ظهر وجه الخير والشر فيها وتبيّن فلا حاجة فيها إلى إكراه ، بل للإنسان أن يختار لنفسه ما شاء من طرفي الفعل والترك وعاقبتي الثواب والعقاب .
وبذلك ظهر أنّ هذه الآية هي إحدى الآيات الدالّة على أنّ الإسلام لم يبنَ على السيف والدم والإكراه ، على خلاف ما زعمه بعض الباحثين من المنتحلين وغيرهم أنّ الإسلام دين السيف والجهاد ، حيث قد يقال في الجواب عن ذلك : إنّ الجهاد والقتال الذي ندب إليه الإسلام ليس لغاية ربط الناس بالدين بالقوّة والإكراه ، بل لإحياء الحقّ والدفاع عن النفس ، وأمّا بعد انبساط التوحيد بين الناس وركونهم للدين ولو بالتهوّد والتنصّر فلا نزاع لمسلم
هامش
( 1 ) انظر : شرح أصول الكافي 5 : 72 ، الهامش . النصّ والاجتهاد : 7 .
( 2 ) البقرة : 256 .
( 3 ) انظر : البيان ( الخوئي ) : 307 - 308 .
( 4 ) انظر : الميزان 2 : 343 - 344 .
( 5 ) البقرة : 256 .