فلا يبعد القول لا سيّما في مثل زماننا هذا بوجوب التعلّم كفائياً لتحقيق هذا الغرض .
ولذلك نجد أنّ رفع حالة الامّية في المجتمع مقدّمة لتحصيل المعارف الدينية والإسلامية ، كما أنّه مقدّمة لتحصين الامّة والناس من الانحراف والضلال ، ومقدمة لرقي المجتمع من الناحية الثقافية والعلمية والحضارية ؛ فإنّ المجتمعات التي يندر فيها وجود المتعلّمين تكون في العادة مجتمعات متخلّفة تتراجع فيها المعرفة وتتهاوى فيها معالم التقدّم والتطوّر ، مع أنّ اللَّه سبحانه حثّ الإنسان على مواصلة طلب العلم وعدم التوقّف في هذا الأمر ، قال سبحانه وتعالى :
« وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً »
« 1 » .
وبهذا يمكن إدراج وجوب رفع الامّية في المجتمع وضرورة سعي الدولة الإسلامية لتحقيق ذلك من عمومات وجوب الإعداد لمواجهة أشكال الخطر الخارجي والداخلي ، ووفقاً لما أثبتته الدراسات الإحصائية والإنسانية ، فإنّ المجتمعات التي لا تعرف ثقافة التدوين ، أي ثقافة القراءة والكتابة ، لا تدخل مرحلة الحضارة ، وتظلّ مجتعات تعيش على هامش الحضارة .
من هنا رأينا في الروايات أنّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ومنذ بدايات تأسيس الدولة الإسلامية سعى لرفع حالة الامّية ، ففي معركة بدر طلب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من كلّ أسير أن يعلّم عشرة من الأنصار بحيث يحسنون الكتابة ، ويكون ذلك فداءً يطلق سراحهم بعده ، وقد تعلّم آنذاك عدد من المسلمين ، منهم زيد ابن ثابت .
كما أمر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عبد اللَّه بن سعيد ابن العاص أن يعلّم الناس الكتابة بالمدينة « 2 » ؛ ولهذا عجّت مساجد المدينة التسعة بحركة تعليم القراءة والكتابة والقرآن ، ولم يقف الأمر عند الذكور من المسلمين ، بل ذكرت بعض الروايات أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يحثّ بعض زوجاته على تعليم بعض النساء والفتيات الكتابة وغيرها « 3 » .
والمعروف تاريخياً أنّ ثقافة القراءة والكتابة لم تشهد ازدهاراً إلّابعد السنة الأولى للهجرة .
إنّ هذا كلّه يؤكّد على أنّ المنهج النبوي كان ومنذ المراحل الأولى لحركة تكوّن المجتمع الإسلامي يؤكّد على الانتقال بالامّة من المرحلة الشفوية العفوية إلى المرحلة التدوينية العلمية ، وهذا ما أدّى إلى تكوّن الحضارة الإسلامية وازدهاراً عاماً بعد آخر .
وللملاك عينه الذي قلناه في وظائف الدولة وقادة المسلمين يصبح السعي لرفع الامّية بمعنى تعليم الآخرين واجباً أيضاً وفق المعيار نفسه .
( انظر : تعليم ، علم )
هامش
( 1 ) طه : 114 .
( 2 ) انظر : مكاتيب الرسول 1 : 106 .
( 3 ) انظر : مكاتيب الرسول 1 : 107 - 108 .