ومقتضى رعاية ملاكات الأحكام ومصالحها ، واختلاف مراتب الضرر ، ومراتب المنكر أن يعامل الدليلين معاملة التزاحم فيقدم الأهم منهما ملاكاً ، فلربما يريد أحد قتل واحد أو جماعة أو التجاوز على امرأة مسلمة محترمة - مثلًا - ويكون نهيه وردعه موجباً لخسارة ما على الناهي ، فهل يمكن القول بعدم وجوب النهي عن المنكر حينئذٍ ؟ !
وربما يكون المنكر منكراً فظيعاً يتجاهر به ويكون في معرض السراية إلى المجتمع وربما يفسد المجتمع بسببه ، أو يكون المرتكب له ذا شخصية اجتماعية أو دينية يقتدي به الناس طبعاً ، أو يكون عمله موجباً لهدم أساس الدين ، أو يريد بعمله تغيير قانون من قوانين الإسلام أو تحريفه ، أو يريد إقامة السلطة الظالمة الغاصبة على شؤون المسلمين وسياستهم واقتصادهم وثقافتهم ، ونحو ذلك من الأمور المهمّة التي لا يجوز السكوت في قبالها ، وكان الناهي ممّن يقبل قوله ، أو يوجب إقدامه ونهيه لا محالة وحشة المرتكب أو خفّته أو التزلزل في وضعه الاجتماعي ، فهل لا يجب النهي والردع بظن ضرر مالي أو حبس أو تضييق أو نحو ذلك ؟ ! يشكل جدّاً الالتزام بذلك .
وبهذا يجمع بين ما تقدّم وبين أدلّة نفي الإكراه والضرر والحرج .
هذا ، مضافاً إلى دلالة روايات كثيرة على وجوب الإقدام والقيام في قبال المنكر والفساد ولو ترتّب عليه ضرر أو شدة ، ومنها :
1 - خبر جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال : « يكون في آخر الزمان قوم يُتَّبع فيهم قوم مراؤون يتقرّؤون ويتنسّكون ، حدثاء سفهاء لا يوجبون أمراً بمعروف ولا نهياً عن منكر إلّاإذا أمِنوا الضرر ، يطلبون لأنفسهم الرُخص والمعاذير ، يَتَّبعون زلّات العلماء وفساد عملهم ، يَقبلون على الصلاة والصيام وما لا يَكْلِمُهُم في نفس ولا مال ، ولو أضرّت الصلاة بسائر ما يعملون بأموالهم وأبدانهم لرفضوها كما رفضوا أسمى الفرائض وأشرفها . . . فأنكروا بقلوبكم وألفظوا بألسنتكم وصكّوا بها جباههم ، ولا تخافوا في اللَّه لومة لائم » « 1 » ) .
هامش
( 1 ) الكافي 5 : 55 - 56 ، ح 1 . وانظر : الوسائل 16 : 119 ، ب 1 من الأمر والنهي ، ح 6 .