فمن جهة الهوية بيّن الشارع أنّ المرأة كالرجل إنسان ، وأنّ كلّ إنسان - ذكراً أو أنثى - يشترك في مادّته وعنصره إنسانان ذكر وأنثى ، فالرجل والمرأة جميعاً من نوع واحد من غير فرق في الأصل والسنخ ، ولا فضل لأحد على أحد إلّابالتقوى والعمل الصالح .
ثمّ بيّن الشارع أنّ عمل كلّ واحد من هذين الصنفين غير مضيّع عند اللَّه لا يبطل في نفسه ، ولا يعدوه إلى غيره ، قال تعالى :
« يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ »
« 1 » ، وقال تعالى :
« أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ »
« 2 » ، وإذا كان لكلّ منهما ما عمل ولا كرامة إلّابالتقوى - ومن التقوى الأخلاق الفاضلة كالإيمان بدرجاته والعلم النافع والعقل الرزين والخلق الحسن - فالمرأة المؤمنة بدرجات عالية ، أو المليئة علماً ، أو الرزينة عقلًا ، أو الحسنة خلقاً أكرم ذاتاً وأسمى درجة ممّن لا يعادلها في ذلك من الرجال في الإسلام .
قال تعالى :
« مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ »
« 3 » .
وأمّا وزنها الاجتماعي فإنّ الإسلام ساوى بينها وبين الرجل من حيث تدبير شؤون الحياة بالإرادة والعمل ، فإنّهما متساويان من حيث تعلّق الإرادة بما تحتاج إليه البنية الإنسانية في الأكل والشرب وغيرهما من لوازم البقاء ، قال تعالى :
« بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ »
« 4 » ، وقال تعالى :
« لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ »
« 5 » ، فالمرأة لها أن تستقلّ بالإرادة ، ولها أن تستقلّ بالعمل وتمتلك نتاجها كما للرجل ذلك من غير فرق ، فهما سواء فيما يراه الإسلام ويحقّه القرآن ، غير أنّه قرّر في المرأة خصلتين ميّزها بهما الصنع الإلهي :
إحداهما : أنّها بمنزلة الحرث في تكوّن النوع ونمائه ، فعليها يعتمد النوع الإنساني
هامش
( 1 ) الحجرات : 13 .
( 2 ) آل عمران : 195 .
( 3 ) النحل : 97 .
( 4 ) آل عمران : 195 .
( 5 ) البقرة : 286 .