ومن أنّ مورد الإقطاع الموات باعتبار كونه كالتحجير ، ومن المعلوم أنّ المعادن لا تندرج فيه ؛ لما هو المشهور من كون الناس فيها سواء ، فلا وجه لإقطاعها حينئذٍ « 1 » .
واستدلّ بعض الفقهاء على عدم جواز الإقطاع بما روي عن الأبيض بن حمّال « 2 » ، قال : استقطعت رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم معدن الملح الذي بمأرب فأقطعنيه ، فقيل : إنّه بمنزلة الماء العِدّ [ يعني أنّها لا تنقطع ولا تحتاج إلى عمل ] ، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم : « فلا إذاً » « 3 » .
فإنّه لمّا أظهر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم كون المعدن ظاهراً حيّاً منع من إقطاعه ، فيدلّ على منع إقطاع المعادن الظاهرة « 4 » .
هذا كلّه بناءً على أنّ المعادن الظاهرة من المشتركات العامة ، وأمّا بناءً على كونها للإمام وأنّها مختصّة به - كما ذهب إليه بعض الفقهاء « 5 » - فحينئذ يجوز له إقطاعها للتمليك على القاعدة .
كما أنّه احتمل بعض جواز إقطاعها حتى بناءً على أنّها من المشتركات ، لكن بشرط عدم تضرّر المسلمين بذلك « 6 » ؛ لما تقدّم من إطلاق أدلّة ولاية الإمام في كلّ ذلك حسب ما تقتضيه المصلحة العامّة .
وتحقيق الكلام في حقيقة المعادن الظاهرة في مصطلح ( معدن ) .
وأمّا الأرض الخراجيّة - وهي الأرض التي فتحت بيد المسلمين عنوة ، وهي ملك للمسلمين قاطبة يصرف خراجها في مصالحهم - فلا يجوز فيها إقطاع تمليك لرقبتها ؛ لأنّها ملك للمسلمين « 7 » ، ولكن يجوز إقطاع قطعة منها لشخص خاصّ إقطاع استغلال ، ولا تخرج بذلك عن كونها خراجيّة ؛ لأنّ معناه كون خراجها له لا خروجها عن الخراجيّة « 8 » .
واختار السيّد الخوئي عدم الجواز ؛ لدلالة الأخبار الكثيرة « 9 » على أنّ الأراضي الخراجيّة للمسلمين ، فلا يجوز لأحد أن يتولّى التصرّف عنهم إلّاالإمام عليه السلام أو من كان مأذوناً من قبله « 10 » .
وتفصيل ذلك في مصطلح ( خراج ) .
وأمّا المنافع المشتركة أو المشتركات العامّة - وهي ما يشترك فيه الناس انتفاعاً مثل الطرق والشوارع والأسواق والمساجد والوقوف المطلقة كالمدارس والمساكن ونحوها - فقد ذهب أكثر الفقهاء - بل نسب إلى المشهور بين الأصحاب « 11 » - إلى عدم جواز إقطاع هذه المواضع لأحد
هامش
( 1 ) جواهر الكلام 38 : 101 ، 102 . وانظر : الإيضاح 2 : 234 . جامع المقاصد 7 : 31 . المسالك 12 : 438 . كفاية الأحكام 2 : 565 .
( 2 ) المبسوط 3 : 89 ، وفيه : « الأبيض بن حمّالالمأربي » . المسالك 12 : 438 ، وفيه : « حيّان المازني » . جواهر الكلام 38 : 102 ، وفيه : « حنّان » .
( 3 ) السنن الكبرى ( النسائي ) 3 : 406 ، ح 5767 .
( 4 ) جواهر الكلام 38 : 102 .
( 5 ) المقنعة : 278 . النهاية : 419 . المراسم : 140 .
( 6 ) التذكرة 2 : 403 ( حجريّة ) .
( 7 ) انظر : النهاية : 418 - 419 . المبسوط 1 : 325 . القواعد 1 : 493 . المسالك 3 : 54 - 55 ، و 12 : 392 . جواهر الكلام 21 : 157 .
( 8 ) بلغة الفقيه 1 : 249 .
( 9 ) انظر : الوسائل 15 : 155 ، ب 71 من جهاد العدوّ .
( 10 ) مصباح الفقاهة 1 : 539 .
( 11 ) المسالك 12 : 432 . كفاية الأحكام 2 : 560 .