ويدلّ على ذلك قوله تعالى :
« وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا »
« 1 » .
فإنّ فيها دلالة على نفي العقوبة قبل بعث الرسل الذي هو كناية عن بيان التكليف ؛ لأنّه يكون به غالباً ، والمنساق من الآية الشريفة إناطة الاستحقاق بالبيان وإتمام الحجّة « 2 » .
فاللَّه سبحانه وتعالى لا يهلك امّة بعذاب إلّا بعد إبلاغ الرسالة إليهم والإنذار ، ومن لم تبلغه الدعوة فهو غير مستحقّ للعذاب .
وقوله تعالى :
« وَلَوْ لا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ »
« 3 » ، أي إنّما أرسلناك قطعاً لعذرهم ، وإلزام الحجّة عليهم . فالعقاب قبل إرسال الرسل وقطع الحجّة غير جائز ، بل ذلك مذموم وقبيح ؛ إذ للمعاقب اعتراض معقول لا دفع له بأن يقول :
« لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ »
« 4 » .
وقوله تعالى في قصّة الهدهد :
« لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ »
« 5 » .
ووجه الاستدلال : أنّ فيها دلالة على وجوب قبول عذر الأشخاص ، وأن تدرأ العقوبة عنهم قبل الإعذار ؛ لأنّ سليمان لم يُعاقب الهدهد حين اعتذر إليه .
وأمّا الروايات ففي رواية زكريّا بن يحيى عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال : « ما حجب اللَّه علمه عن العباد فهو موضوع عنهم » « 6 » .
2 - الإعذار في الجهاد :
أ - مع الكفّار :
لا تجوز محاربة الكفّار الحربيّين قبل بلوغ الدعوة إلى محاسن الإسلام إليهم ، وهي الشهادتان وما يتبعهما من أصول الدين وامتناعهم عن ذلك ، وهو أمر أجمع عليه المسلمون « 7 » .
هامش
( 1 ) الإسراء : 15
( 2 ) فرائد الأصول ( تراث الشيخ الأعظم ) 2 : 22 - 23 . نهاية الأفكار 2 : 205 . تنقيح الأصول ( آقا ضياء ) : 49
( 3 ) القصص : 47
( 4 ) طه : 134
( 5 ) النمل : 21
( 6 ) الوسائل 27 : 164 ، ب 12 من صفات القاضي ، ح 33
( 7 ) المبسوط 1 : 548 . جواهر الكلام 21 : 51