وإقامة الشهادة ، وحضور الجنائز ، إنّه لا بدّ لكم من الناس ، إنّ أحدا لا يستغني عن الناس حياته ، والناس لا بدّ لبعضهم من بعض » « 1 » .
وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلم : « من أصبح لا يهتم بأمور المسلمين فليس منهم ، ومن سمع رجلا ينادي ( يا للمسلمين ) فلم يجبه ، فليس بمسلم » « 2 » .
والأخبار الواردة في الاختلاط بالناس كثيرة ، إلى جانب سيرة المعصومين عليهم السّلام وعامة المتشرعة والمتدينين .
نعم ، في مقابل ما ورد من الحثّ على المخالطة ، جاءت روايات عديدة في مدح الاعتزال ، وقد تعدّدت الآراء في تفسير هذه الروايات ، فذكر بعضهم أنّها إنّما وردت في الاعتزال عن شرار الناس خاصّة ممّن لا يهتدى بمجالستهم ، والذين يضرون جليسهم في دينه ، وإلّا فمعاشرة الصلحاء وهداية الضالّين هي طريقة الأنبياء ، ومن أفضل العبادات .
بل إنّ الاعتزال الممدوح قد يحصل حتى في وسط الناس ، والمعاشرة المذمومة تحصل حتى في الخلوة ؛ لأنّ مفسدة معاشرة الخلق الركون إلى الدنيا والتخلّق بأخلاق أهلها ، وتضييع العمر بصحبة أهل الباطل ، وكم من معتزل عن الخلق والشيطان يصرف ذهنه وجميع حواسه إلى تحصيل الجاه واعتبار الدنيا وإن كان بعيدا عن الناس ، لكنّه يعاشرهم في قلبه ، ويقوّي أخلاقهم السيئة في نفسه .
وكم من حاضر في مجالس أهل الدنيا وهو منزجر من أفعالهم ، فهذه المعاشرة توجب زيادة بصيرته وتنفره من الدنيا ، ويترتب عليها أجر عظيم لكونها للّه ، أو لهداية خلق اللّه ، أو غيرهما من الأغراض الصحيحة .
بل من يخالط يكتسب المزيد من الكمالات والصفات الحسنة والتجارب المثمرة والكياسة والوعي ، بل يصبح فهمه للحياة وللنصوص الدينية أكثر قربا من الواقع من فهم المعتزل الذي قد يطالع الحياة عن بعد فيخرج بتصوّرات مثالية مجافية لأرض الواقع والميدان .
هامش
( 1 ) الوسائل 12 : 7 ، ب 1 من أحكام العشرة ، ح 5 .
( 2 ) الوسائل 16 : 337 ، ب 18 من فعل المعروف ، ح 3 .