من هنا توسّع أصول الفقه الإمامي في بحث الأصول العملية ، بينما نجد فقه الجمهور لا يتحرك إلّا في حدود الاستحسان والأمور الظنية غير المعتبرة .
* قراءة تاريخية لتطوّر فكرة الأصول العملية :
إلّا أنّ فكرة الأصول العملية لم تكن بهذه الدرجة من الوضوح في كلمات أصحابنا منذ فجر تاريخ الفقه الإمامي وتدوينه ، بل مرّت بمراحل ثلاث حتى وصلت إلى ما وصلت إليه الآن ، وهي كما يلي :
أ - مرحلة اعتبار الأصل دليلا قطعيا :
وهي المرحلة التي أدرجت فيها الأصول العملية في الدليل العقلي الذي هو دليل قطعي ، والذي اعتبرت الأصول العملية بسببه دليلا قطعيا على الحكم الشرعي ، فكان ذلك مستندا لتوجيه التزامهم بالأصول العملية في قبال الجمهور الذين التزموا بالأمارات الظنية الناقصة في عملية الاستنباط « 1 » .
ب - مرحلة اعتبار الأصل دليلا ظنيّا :
بعد أن التفت العلماء إلى أنّ الأدلّة المعتمدة في الفقه ليست كلّها قطعية ، باعتبار أنّ بعضها ظنّي رغم كونها معتبرة شرعا - كالظهورات وأخبار الآحاد مثلا - شاعت بينهم فكرة قبول العمل بالظنّ وبالتالي أدرجت الأصول العملية في الأدلّة الظنّية « 2 » .
ج - مرحلة اعتبار الأصل وظيفة عملية :
وتأتي هذه المرحلة بعد أن اختمرت الفكرة الصحيحة للأصل العملي وجاءت لتؤكّد على أنّ الأصل لا يطلب منه الكشف عن الحكم الواقعي حتى يبحث بعد ذلك عن كونه دليلا قطعيا أو ظنّيا ، وإنّما يطلب منه تحديد الموقف العملي للمكلّف تجاه الحكم الواقعي عند عدم إمكان إثباته .
وإلى هذا المعنى أشار المحقّق جمال الدين الخوانساري في بعض كلماته ، وكذا الوحيد البهبهاني ، وكان اختمار هذه الفكرة هو الذي أدّى إلى اعتبار عصر الوحيد
هامش
( 1 ) انظر : بحوث في علم الأصول 5 : 10 .
( 2 ) بحوث في علم الأصول 5 : 10 .