بلغت في الكثرة حدّا حصل فيها تواتر قطعي ، خصوصا مع كثرة الكذب في الإسناد إلى المعصومين عليهم السّلام والدسّ فيها حتى في حياة الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم الذي حذّر من ذلك بقوله : « لا تكذبوا عليّ ، فإنّه من كذب عليّ متعمّدا يلج النار » « 1 » ، أو « من كذب عليّ فليتبوّأ مقعده من النار » « 2 » .
ولهذا اهتمّ العلماء منذ القرون الهجرية الأولى بسرد الأسانيد وذكرها في الكثير من كتبهم ، ووضع المشيخات لتفادي حالة الإرسال وتحقيق حالة الإسناد ، كما يقول الشيخ الطوسي « 3 » ، بل كان بعضهم يشدّد على بعض المحدّثين ؛ لأنّه يروي المراسيل ، كما ينقل في الأسباب التي دفعت أحمد بن محمّد بن عيسى الأشعري إلى طرد سهل بن زياد الآدمي من قم « 4 » .
من جهة أخرى اهتمّ العلماء اللاحقون بالأسانيد التي تركها المحدّثون القدامى ، واعتمدوا عليها ودرسوها ، واعتبروا نقدها أساسا لتجويز العمل بالروايات الواردة فيها ، ولهذا نشأ بينهم علم الرجال والجرح والتعديل ، ليكون معينا على إثبات الروايات على المستوى الصدوري ، وإن لم يكن المعيار النهائي الوحيد ؛ لإمكان الصحّة السندية مع عدم الصدور كما في المخالف للكتاب .
والاهتمام بالإسناد إنّما يكون له مبرّر بناء على ما هو المعروف عند الاصوليّين من عدم ثبوت حجّية كلّ ما روي في الكتب الأربعة ، وأمّا على مذهب الإخباريّين « 5 » القائلين بحجّية جميع ما روي فيها حتى ولو كانت مرسلة ، فلا يبقى بعد ذلك مبرّر للاهتمام بأسانيدها ، وهكذا الحال في تضاؤل الحاجة لدراسة الأسانيد لو بني على نظرية جبر الخبر الضعيف بعمل المشهور أو وهنه بإعراضهم عن العمل به .
لكن مع ذلك تبقى الحاجة لدراسة الأسانيد قائمة حتى على نظرية الإخباريّين ؛ وذلك في غير الكتب الأربعة وأمثالها من الكتب الحديثية المشهورة ،
هامش
( 1 ) البحار 38 : 247 ، ح 42 .
( 2 ) كنز العمال 10 : 237 ، ح 29257 .
( 3 ) التهذيب 10 : 5 ، ( شرح المشيخة ) .
( 4 ) خلاصة الأقوال : 357 .
( 5 ) انظر : الحدائق 1 : 14 .