ثانيها : شبهة في المحلّ ، وتسمّى شبهة حكمية أي شبهة في حكم الشرع ، وهي تمنع وجوب الحدّ إلّا إذا قال علمت أنّها حرام عليّ ، وتتقوّم الشبهة هنا بقيام الدليل كمقتضي لنفي الحرمة دون أن يكون عاملًا لقيام المانع أيضاً ، كما في وطء أمة الابن ، إذ أنّ الدليل هنا قول النبي صلى الله عليه وآله : « أنت ومالك لأبيك » « 1 » ، وفي مثله لا يتوقّف هذا النوع من الشبهة المسقطة للحدّ على ظنّ الجاني واعتقاده ، وإنّما الشبهة قائمة بثبوت الدليل .
ثالثها : شبهة العقد ، وهو ما وجد فيه صورة العقد لا حقيقته ، كمن وطئ محرّماً عليه نكاحها بعقد ، فهذه الشبهة لا توجب الحدّ عند أبي حنيفة ، لكن توجبه عند صاحبيه مع العلم بالحرمة . وقيل : إنّ عليه الفتوى عند الحنفية « 2 » .
الثاني : مذهب الشافعية ، وهو أنّ ما يوجب سقوط الحدّ ثلاثة أقسام من الشبهة :
القسم الأوّل والثاني من الشبهة عند الأحناف ، وهما شبهة الفعل - ويسمّيها الشافعية بشبهة الفاعل - ، وشبهة المحل المتقدّمتان .
والقسم الثالث : هو شبهة الطريق ، وتسمّى أيضاً شبهة الجهة ، ويراد بها أن يكون الفعل حراماً عند قوم وحلالًا عند آخرين ، ومثلّوا له بالوطء في نكاح دون إذن الولي أو دون شهود « 3 » .
سابعاً - إقامة الحدود :
1 - أهمية إقامة الحدود ومشروعيتها :
إنّ إقامة الحدود من الأهمية بمكان حيث إنّ إدارة المجتمع وحفظ النظام ورعاية حقوق الناس وإقامة القسط والعدل ، تتوقّف على وضع القوانين وتحديد الحرّيات وضبطها ، وعلى تأديب المتخلّفين ومجازاة المجرمين ، حتى يعيش الناس مطمئنين على أموالهم وأنفسهم وأعراضهم ، فلولا خوف المجرمين من العقوبة والجزاء الأليم ، لما بقي لنفوس الناس وأموالهم واعراضهم حرمة ولاختلّ النظام وشاعت الفوضى .
هامش
( 1 ) سنن ابن ماجة 2 : 760 ، ط . الحلبي .
( 2 ) الهداية والفتح والعناية 4 : 140 - 141 . تعيين الحقائق وحاشية الشلبي 3 : 175 - 176 . الأشباه والنظائر ( ابن نجيم ) : 50 .
( 3 ) المهذّب ( الشيرازي ) 2 : 269 . نهاية المحتاج 7 : 405 . حاشية الجمل 6 : 359 - 360 ، ط . دار الكتب العلمية 1417 ه - .