والحدود زواجر وضعها الله تعالى للردع عن ارتكاب ما حظر وترك ما أمر به ؛ لما في الطبائع الإنسانية من مغالبة الشهوات الملهية عن وعيد الآخرة بعاجل اللذّة ، فجعل الله تعالى من زواجر الحدود ما يردع به الركون والميل إلى الجناية حذراً من ألم العقوبة ، وخوفاً من نكال الفضيحة .
ولا خلاف بين الفقهاء في مشروعية إقامة الحدود . واستدلّ لذلك بالكتاب والسنّة والإجماع والمعقول ، أمّا الكتاب فقوله تعالى :
( وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا )
« 1 » ، وقوله تعالى :
( إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ )
« 2 » ، وقوله عزّ وجلّ :
( الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ )
« 3 » ، وقوله تعالى :
( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً )
« 4 » .
وأمّا السنّة فأحاديث كثيرة منها : ما عن النبي - أنّه قال : « يوم واحد من سلطان عادل خير من مطر أربعين يوماً ، وحَدٌّ يقام في الأرض أزكى من عبادة ستين سنة » « 5 » ، ومنها : ما ورد في ذم تعطيل الحدود : عن الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام عن أبيه ، عن آبائه عليهم السلام أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله أتي بامرأة لها شرف في قومها قد سرقت فأمر بقطعها ، فاجتمع إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ناس من قريش فقالوا : يا رسول الله ، تقطع امرأة شريفة مثل فلانة في خطر يسير ؟ ! قال : « نعم ، إنّما هلك من كان قبلكم بمثل هذا ، كانوا يقيمون الحدود على ضعفائهم ، ويتركون أقوياءهم وأشرافهم فهلكوا » « 6 » .
ومنها : حديث ماعز والغامدية وغيرهما من الأحاديث المشهورة « 7 » .
وأمّا الإجماع فلاتّفاق علماء المسلمين من جميع الأعصار على لزوم إقامتها « 8 » .
هامش
( 1 ) المائدة : 38 .
( 2 ) المائدة : 33 .
( 3 ) النور : 2 .
( 4 ) النور : 4 .
( 5 ) مستدرك الوسائل 18 : 9 ، ب 1 من مقدّمات الحدود ، ح 1 .
( 6 ) مستدرك الوسائل 18 : 7 ، ب 1 من مقدّمات الحدود ، ح 1 .
( 7 ) صحيح مسلم 3 : 1321 - 1322 ، ط . الحلبي .
( 8 ) انظر : الخلاف 5 : 440 ، م 25 . السرائر 3 : 546 . تذكرة الفقهاء 9 : 445 . موسوعة الإجماع ( ابن جيب ) 1 : 328 . الموسوعة الفقهية الكويتيّة 17 : 131 .