ذلك بعضهم فتوقّف في حلّ أخذ الجزية من الجائر « 1 » ، ونوقش بعدم الفرق في مشروعيتها بين زمن الحضور وزمن الغيبة لإطلاق الأدلّة « 2 » .
وأمّا فقهاء المذاهب فلا خلاف بينهم في أنّ حقّ استيفاء الجزية هو للأئمة والسلاطين ، ولا فرق في الإمام المطالب بالجزية بين أن يكون عادلًا وبين أن يكون جائراً ، وقد يكون الآخذ للجزية منهم البغاة أو المحاربين ، وفيما يلي حكم كلّ منهم :
والفرق بين الإمام العادل - وهو عند فقهاء المذاهب من اختاره المسلمون للإمامة - وبين غيره في أمر الجزية أنّه إذا طلب مالًا لا يطلبه إلّا بحقّ ، وإذا قَسَمَ أموالًا عامّة لا يقسمها إلّا وفق شرع اللهتعالى ، ومن تلك الأموال العامّة الجزية ، فإذا طلبها الإمام العادل من أهل الذمّة وجب عليهم الدفع إليه ، ولا يجوز لأحد تفرقة خراج رأسه بنفسه ، وإذا أدّى شخص الجزية إلى مستحقّ الفيء بنفسه فلإمام أخذها منه ثانية ؛ لأنّ حقّ الأخذ له « 3 » ، لكن إذا أخذها السلطان الجائر أجزأت الذمّي ولا يطالب بها ثانية من قبل الإمام العادل « 4 » . واستدلّوا على وجوب طاعة الإمام الجائر في طلب الجزية بما روي عن النبي ( ص ) : « . . . لا نبي بعدي وسيكون خلفاء فيكثرون » ، قالوا : فما تأمرنا ؟ فقال : « أوفوا ببيعة الأوّل فالأوّل ، أعطوهم حقّهم فإنّ الله سائلهم عمّا استرعاهم » « 5 » ، وجاء في بيان قوله : « أعطوهم حقّهم » ، أي ادفعوا إلى الامراء حقّهم الذي لهم المطالبة به وقبضه ، سواء كان يختصّ بهم أو يعمّ ، وذلك من الحقوق الواجبة كالزكاة ، ومن الأنفس كالخروج إلى الجهاد « 6 » .
حكم دفع الجزية إلى البغاة :
ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة وابن الماجشون من
هامش
( 1 ) جواهر الكلام 21 : 262 - 264 . فقه الصادق 13 : 58 - 59 . وانظر : مجمع الفائدة 7 : 519 .
( 2 ) منهاج الصالحين ( الخوئي ) 1 : 392 .
( 3 ) الخراج ( أبو يوسف ) : 36 . الاختيار 4 : 145 . الأحكام السلطانية ( الماوردي ) : 16 . الأحكام السلطانية ( أبو يعلى ) : 28 . الجامع لأحكام القرآن 18 : 14 .
( 4 ) بدائع الصنائع 2 : 882 . مواهب الجليل 2 : 364 . مغني المحتاج 4 : 132 .
( 5 ) صحيح البخاري 6 : 495 ، السلفية . صحيح مسلم 3 : 1471 ، ط عيسى الحلبي .
( 6 ) نيل الأوطار 7 : 194 .