ج - نحن نعلم أنّه لم يكن البحث عن العدالة في أيام النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، ولا أيام الصحابة ولا أيام التابعين ، وإنّما هي شيءٌ أحدثه شريك بن عبد الله القاضي « 1 » .
القول الثالث : وهو للحنفية حيث فصّلوا بين الحدود والقصاص ، وبين غيرهما ، فقالوا بوجوب تزكية الشهود في الأوّل مطلقاً ؛ لأنّ الحدود والقصاص ممّا يحتاط فيها وتُدرأ بالشبهات بخلاف غيرها ، وعدم وجوب البحث عن عدالتهما في غيرهما ما لم يطعن في عدالتهما « 2 » .
2 - أقسام التزكية :
التزكية نوعان : تزكية السرّ ، وتزكية العلانية .
أمّا تزكية السرّ : فهو أن يختار القاضي للمسألة عن الشهود مَن هو أوثق الناس ، وأورعهم ديانة ، وأعظمهم دراية ، وأعلمهم بالتمييز فطنة ، فيولّيه البحث عن أحوال الشهود ، ثمّ يكتب في ورقة أسماء الشهود جملة بأنسابهم وقبائلهم ومحالّهم ومصلّاهم ، ثمّ يدفع المكتوب إلى مَن يستأمنه على ذلك ، ويخفيه عن كلّ مَن سواه لئلّا يعلم أحد فيخدع الأمين .
وأمّا تزكية العلانية : فتكون بعد تزكية السرّ ، وكيفيتها : هي أن يحضر القاضي المُزكِّي بعدما زَكّا ليُزكّي الشهود أمامه ، بمعنى أن يسأل القاضي شهود السرّ وقت الحكم : هل هذان اللذان زكّيتما وسألتكما عنهما ؟ فإذا قالا نعم ، حكم بشهادتهما « 3 » .
ثمّ هل يجب الجمع بين تزكية السرّ وتزكية العلانية ؟
ذهب الإمامية « 4 » ، والمالكية والحنفية « 5 » إلى عدم لزوم الجمع ، نعم هي مندوب إليها عند المالكية ، وأحوط عند الإمامية .
هامش
( 1 ) الخلاف 6 : 218 .
( 2 ) بدائع الصنائع 6 : 27 . فتح القدير 7 : 351 ، ط دار الكتب العلمية
( 3 ) المبسوط ( الطوسي ) 8 : 111 . مجلة الأحكام العدلية ، مواد ( 1718 - 1722 ) . معين الحكّام : 104 ، 106 . تبصرة الحكّام 1 : 24 ، 27 . درر الحكّام 4 : 449 ، ط دار الجيل . نهاية المحتاج 8 : 253 . المغني 9 : 63 ، 65 . البحر الرائق 6 : 438 .
( 4 ) المبسوط 8 : 111 . كشف اللثام 10 : 70 .
( 5 ) المبسوط ( السرخسي ) 16 : 91 . الشرح الكبير ( الدردير ) 4 : 170 . معين الحكّام : 107 .