ولا إشكال في حرمة الإلحاد في مكّة أو الحرم ، بل عدّه بعض فقهاء الإمامية من الكبائر « 1 » ؛ لأنّ الله سبحانه توعّد مَن يرتكبه بعذاب اليم .
وربّما رجّح لذلك بعض فقهاء الإمامية ، وبعض فقهاء المذاهب ، ومنهم أبو حنيفة عدم مجاورة مكّة المكرّمة ، خوفاً من الإلحاد فيها بالمعنى الرابع المتقدّم « 2 » .
2 - الإلحاد في الدين :
وقد فسّره الشيخ الطوسي من الإمامية بالعدول عن الحقّ فيه « 3 » ، وهو صادق على من يخرج من الدين الحقّ إلى غيره من الديانات الأخرى ، وعلى من يطعن فيه ولا يستجيب لأوامره ونواهيه .
وقال ابن عابدين من الحنفية : هو الميل عن الشرع القويم إلى جهة من جهات الكفر كالباطنية ، ومن الإلحاد الطعن في الدين مع ادّعاء الإسلام أو التأويل في ضرورات الدين لإجراء الأهواء « 4 » .
وعليه ، فالملحد إمّا أن يكون من الأصل على الشرك أو الكفر ، فتلحقه جميع أحكام الكافر أو المشرك الواردة في الفقه ، أو يكون مسلماً من أوّل الأمر فيلحد ، وهذا يسمّى بالمرتدّ ، وتترتّب عليه أحكام الردّة من العقوبات والأحكام ، أو يكون ذمّياً فيلحد ، أي يطعن في الدين جهاراً ، فينتقض بذلك عهده .
الفرق بين كلّ من الزندقة والنفاق والدهرية وبين الإلحاد :
ذكرت للزنديق معانٍ متعدّدة ، منها : الدهري ، ومنها : الثنوي ، ومنها : المنافق . وقال البعض : المشهور عند الناس أن الزنديق هو الذي لا يتمسّك بشريعة ، ويقول بدوام الدهر ، والعرب تعبّر عنه بقولهم : ملحد ، والجمع زنادقة . وفي الحديث : ( الزنادقة هم الدهرية الذين يقولون : لا ربّ [ لنا ] ، ولا جنّة ولا نار ، وما يهلكنا إلّا الدهر ) « 5 » .
ولعلّ أظهر معاني الزنديق : أنّه من يدّعي الإسلام ويظهر الشهادتين إلّا أنّه يظهر منه ما يخالف الإسلام ، كالاستهانة بكتاب الله
هامش
( 1 ) نقله عن السيّد الطباطبائي في جواهر الكلام 13 : 310 ، 313 .
( 2 ) انظر : جواهر الكلام 20 : 70 . الأشباه والنظائر ( ابن نجيم ) : 369 . شفاء الغرام : 84 . إعلام الساجد : 129 ، 130 .
( 3 ) التبيان 7 : 33 .
( 4 ) حاشية ابن عابدين 1 : 599 ، و 3 : 296 .
( 5 ) مجمع البحرين 2 : 783 .