في جحيم يصطرخ ؟
ولا تعجب من هذا ، وأعجب بلا صنع منّا ، من طارق طرقنا « 1 » بملفوفات زمّلها « 2 » في وعائها ، ومعجونة بسطها في إنائها ، فقلت له : أصدقة ، أم نذر ، أم زكاة ؟ وكلّ ذلك يحرم علينا أهل بيت النبوّة ، وعوّضنا منه خمس ذي القربى في الكتاب والسنّة . فقال لي : لا ذاك ولا ذاك ، ولكنّه هدية . فقلت له : ثكلتك الثواكل ، أفعن دين اللّه تخدعني بمعجونة غرّقتموها بقندكم ، وخبيصة صفراء أتيتموني بها بعصير تمركم ؟ أمختبط ، أم ذو جنّة ، أم تهجر ؟ أليست النّفوس عن مثقال حبّة من خردل مسؤولة ؟ فما ذا أقول في معجونة أتزقّمها معمولة ؟
واللّه لو أعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها ، واسترقّ لي قطّانها ، مذعنة بأملاكها ، على أن أعصي اللّه في نملة أسلبها شعيرة فألوكها ، ما قبلت ولا أردت ، ولدنياكم أهون عندي من ورقة في في جرادة تقضمها ، وأقذر عندي من عراقة خنزير يقذف بها أجذمها ، وأمرّ على فؤادي من حنظلة يلوكها ذو سقم فيبشمها ، فكيف أقبل ملفوفات عكمتها في طيّها ، ومعجونة كأنّها عجنت بريق حيّة أو قيّها !
هامش
( 1 ) قال ابن أبي الحديد في شرح النهج : 11 : 247 : كان أهدى له الأشعث بن قيس نوعا من الحلواء تأنّق فيه ، وكان عليه السّلام يبغض الأشعث ، لأنّ الأشعث كان يبغضه ، وظنّ الأشعث أنّه يستميله بالمهاداة لغرض دنيويّ كان في نفس الأشعث ، وكان أمير المؤمنين عليه السّلام يفطن لذلك ويعلمه ، ولذلك ردّ هدية الأشعث ، ولولا ذلك لقبلها ، لأنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله قبل الهدية ، وقد قبل عليّ عليه السّلام هدايا جماعة من أصحابه ، ودعاه بعض من كان يأنس إليه إلى حلواء عملها يوم نوروز فأكل وقال : « لم عملت هذا » ؟ فقال : لأنّه يوم نوروز . فضحك وقال : « نورزوا لنا في كلّ يوم إن استطعتم » .
وكان عليه السّلام من لطافة الأخلاق وسجاحة الشيم على قاعدة عجيبة جميلة ، ولكنّه كان ينفر عن قوم كان يعلم من حالهم الشنان له ، وعمّن يحاول أن يصانعه بذلك عن مال المسلمين ، وهيهات حتّى يلين لضرس الماضغ الحجر !
( 2 ) زمّله : أخفاه . وزمّل بثوبه وفيه : لفّه . ( المعجم الوسيط ) .