تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ترتيب الأمالي — صفحة 413

مساهمون:

ص٤١٣
دهقانه منسوجه ، وتضمّخ بمسك هذه النوافج « 1 » صباحه ، وتبخّر بعود الهند رواحه ، وحوله ريحان حديقة يشمّ نفاحه ، وقد مدّ له مفروشات الرّوم على سرره ، تعسا له بعد ما ناهز السبعين من عمره ، وحوله شيخ يدبّ على أرضه من هرمه ، وذو يتمة تضوّر من ضرّه ومن قرمه ، فما واساهم بفاضلات من علقمة ، لئن أمكنني اللّه منه لأخضمنّه خضم البرّ ، ولأقيمنّ عليه حدّ المرتدّ ، ولأضربنّه الثمانين بعد حدّ ، ولأسدّنّ من جهله كلّ مسد ، تعسا له أفلا شعر ، أفلا صوف ، أفلا وبر ، أفلا رغيف قفار الليل إفطار مقدّم « 2 » ، أفلا عبرة على خدّ في ظلمة ليال تنحدر ؟ ولو كان مؤمنا لاتّسقت له الحجّة إذا ضيّع ما لا يملك . واللّه لقد رأيت عقيلا أخي وقد أملق حتّى استماحني من برّكم صاعه ، وعاودني في عشر وسق من شعيركم يطعمه جياعه ، ويكاد يلوي ثالث أيّامه خامصا ما استطاعه ، ورأيت أطفاله شعث الألوان من ضرّهم كأنّما اشمأزّت وجوههم من قرّهم ، فلمّا عاودني في قوله وكرّره ، أصغيت إليه سمعي فغرّه ، وظنّني أوتغ ديني فأتّبع ما سرّه ، أحميت له حديدة لينزجر ، إذ لا يستطيع منها دنوّا ولا يصبر ، ثمّ أدنيتها من جسمه ، فضجّ من ألمه ضجيج ذي دنف يئنّ من سقمه ، وكاد يسبّني سفها من كظمه ، ولحرقة في لظى أضنى له من عدمه ، فقلت له : ثكلتك الثواكل يا عقيل ، أتئنّ من حديدة أحماها إنسانها لمدعبه ، وتجرّني إلى نار سجّرها جبّارها من غضبه ؟ ! أتئنّ من الأذى ، ولا أئنّ من لظى ؟ ! واللّه لو سقطت المكافاة عن الأمم ، وتركت في مضاجعها باليات في الرّمم ، لاستحييت من مقت رقيب يكشف فاضحات من الأوزار تنسخ ، فصبرا على دنيا تمرّ بلأوائها كليلة « 3 » بأحلامها تنسلخ ، كم بين نفس في خيامها ناعمة ، وبين أثيم
هامش
( 1 ) ضمخ جسده وغيره بالطيب وغيره : لطّخه به في كثرة . وتضمّخ بالطيب وغيره : تلطّخ . والنافجة : وعاء المسك في جسم الظبي ، جمعه نوافج . ( المعجم الوسيط ) . ( 2 ) في نسخة : « لليل إفطار معدم » . ( 3 ) اللأواء : ضيق المعيشة . وشدّة المرض . والكليل : الضعيف ، أو المتعب . ( المعجم الوسيط ) .