وإذا كان صلّى اللّه عليه وآله وسلّم عارفا بأحوال المنافقين ومميّزا لهم عن غيرهم ، ومع هذا فما رأيناه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فرق بين أحد منهم وبين زوجته ، ولا خالف بين أحكامهم وأحكام المؤمنين ، وكان على الظاهر يعظّمهم ، كما يعظّم الذي يقطع بعدم نفاقه ، فقد بان أنّ الشريعة قد فرقت بين مظهر الكفر ومبطنه في هذه الأحكام .
فإن قيل : أفيجوز أن يكون صلّى اللّه عليه وآله وسلّم نكح وأنكح من يعلم خبث باطنه مختارا ؟ .
قلنا : فعله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لذلك يقتضي أنّه مباح ، غير أنّه يبعد أن ينكح أحدنا غيره مع قطعه على أنّه عدوّ في الدين ، وإن جاز أن تبيح الشريعة ذلك .
فالأشبه أن يكون صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إذا فرضنا أنّه عالم بخبث باطن من أنكحه ونكحه في الحال يقتضي أن يكون فعل ذلك تدبيرا وسياسة وتألفا ، وإلّا فمع الايثار وارتفاع الأسباب لا يجوز أن يفعل ذلك .
ومن حملته نفسه من غفلة أصحابنا على أنّ رقية وزينب ليستا بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم على الحقيقة ، وزعم أنّهما بنتا خديجة ( رضي اللّه عنها ) من [ هالة ] ابن أبي هالة ، غير صحيح ، لما هو معلوم ضرورة ، لأنّ العلم بذلك ممّن خالط أهل الأخبار ، كالعلم بغيره من الأمور الظاهرة ، وزعم الشك فيه كالشك في كل أمر معلوم في الاخبار ، ومالنا إلى المكابرة بالمعلومات من حاجة ، والحمد للّه وحده .
وأمّا الكلام في مناكحته عمر ، فقد تقدم أنّ العقل لا يمنع من مناكحة الكفّار ، وأنّ فعل أمير المؤمنين - عليه السّلام - أقوى حجة وأوضح دليل ، وهذه الجملة كافية ، ولو اقتصرنا عليها ، لكنّا نقول : إنّ أمير المؤمنين - عليه السّلام - لم ينكح عمرا مختارا ، بل مكرها وبعد مراجعة وتهديد ووعيد .
وقد ورد الخبر بأنّه راسله يخطب إليه ، فدفعه عن ذلك بأجمل دفع ، فاستدعى عمر العباس بن عبد المطلب ، ثم قال له : ما لي ؟ أبي بأس ؟ .
فقال له العباس : وما الذي اقتضى هذا القول ؟ فقال : خطبت إلى ابن
تزويج علي ( ع ) بنته من عمر — صفحة 29
مساهمون: الشيخ المفيد
ص٢٩