لكن هذا الايراد مندفع بانّ التقيّة لا تدور مدار ذهاب جميع العامّة إلى شيء بل هي تابعة للابتلاء بهم فيمكن أن يكون الأكثر على القول بالنجاسة والأقلّ منهم قائلون بالطهارة لكن الإمام عليه السّلام كان مبتلى بهم ويتّقي منهم وهذا أمر لا غبار عليه وليس بنادر خصوصا إذا كان هذا الأقلّ من المتعصّبين السفهاء أو كانوا من ذوي القدرة والسلطة بل يمكن ذلك وإن لم يكونوا لا من هذا ولا من ذاك بل كان الإمام أراد به التحبّب معهم لمصالح الشيعة .
وقال الشيخ البهائي - رضوان اللّه عليه - : التقيّة لا تنحصر في القول بما يوافق علماء العامّة بل ربّما يدعوا إليها اصرار الجهلاء من أصحاب الشوكة على أمر وولوعهم به فلا يمكن إشاعة ما يتضمّن تقبيحه ويؤذن بالازراء بهم على فعله وما نحن فيه من هذا القبيل فإنّ أكثر أمراء بني أميّة وبني العبّاس كانوا مولعين بمزاولة الخمر وشربه وعدم التحرّز عن مباشرته بل ربّما أمّ بعض أمراء بني أميّة بالناس وهو سكران فضلا عن أن يكون ثوبه ملوّثا به كما هو مذكور في التواريخ فاشاعة القول بنجاسته يتضمّن شدّة الشناعة عليهم ويوهم التعريض بهم فلا بعد عند السؤال عن نجاسته في صدور الجواب منهم عليهم السّلام على وجه يؤمن معه من الحمل على الإزراء بهم والتشنيع عليهم واللّه أعلم . « 1 »
والذي يؤيّد الحمل على التقيّة انّه من ناحية كان القول بالطهارة مذهب ربيعة الرأي الذي كان على المحكيّ من فقهاء المدينة ومن شيوخ مالك وكان معاصرا لمولانا الصادق عليه السّلام ومن ناحية كان الخلفاء والسلاطين وأمرائهم في البلاد مولعين بشرب الخمر بل كان بعضهم يدخل في حوض من الخمر ويغوص فيه وربّما كانوا متحاولين دفع التحريم عنه كما يشير إليه بعض الروايات الحاكية من كلام دار بين المهديّ العبّاسي وإمامنا الكاظم عليه السّلام .
هامش
( 1 ) - الحبل المتين ، ص 103 .