تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ولاية الأمر ، دراسة فقهية مقارنة — صفحة 217

مساهمون:

ص٢١٧
هامش
هذا في المسألة الأولى ، وأمّا في المسألة الثانية « البراءة والاحتياط » فالنقاش فيها في حكم الشكّ في التكليف بسبب فقدان النصّ أو إجماله وإبهامه . إذن النقاش في المسألة الأُولى « الحظر والإباحة الأولية » يجري فيما إذا علمنا بعدم ورود حكم شرعي في مورد من الموارد بالإيجاب أو التحريم أو الإباحة ، والنقاش في « البراءة والاحتياط » يجري إذا شككنا في وجود حكم شرعي بالإيجاب أو الحرمة ، وبين المسألتين فرق كبير . وأكثر الإسلاميّين يذهبون إلى الإباحة في هذه المسألة ، بينما يتوقّف القائلون بالحظر عن التصرّف حتّى يرد إذنٌ خاصّ ، من اللَّه تعالى ، إلّاأنّ هذه الإباحة الأولية - التي تشمل نفس الإنسان أيضاً ؛ لأنّه يدخل في ملك اللَّه تعالى أيضاً كما تدخل سائر الأشياء - لا تتطابق مع مبدأ سيادة الإنسان على نفسه التي تعتمده الديمقراطية ونظرية العقد ، فإنّ مبدأ الإباحة الذي يقول به الإسلاميّون لا ينفي ملك اللَّه تعالى وسلطانه على الإنسان والأشياء ، وإنّما يستكشف الإسلاميّون من الدليل العقلي والشرعي إذناً عامّاً من اللَّه تعالى لعباده في التصرّف في الأشياء وفي أنفسهم ما لم يرد نهي من اللَّه تعالى . وهذا أمر يختلف اختلافاً بيّناً عن مبدأ سيادة الإنسان ، وسيادة الشعب على نفسه الذي تذهب إليه الديمقراطية الحديثة . فإنّ نظرية « العقد الاجتماعي » تعتمد أصل « حقّ الإنسان الذاتي في مصيره » ، ونظرية « الإباحة الأولية » تعتمد مبدأ التفويض الإلهي للناس في التصرّف في أنفسهم وفيما خلقه اللَّه تعالى لهم ، إلّاأن يرد دليل بالحظر . وبين الأمرين فرق شاسع . والآن نتساءل : هل أنّ الخلاف في مسألة « ولاية الإنسان على نفسه » ، وهي الأساس في نظرية « العقد الاجتماعي » ، مسألة لفظية بين « الإسلام » و « الديمقراطية الحديثة » ، فيتولّى الإنسان مصيره السياسي بنفسه ، ويعطيه من يريد بموجب مبدأ الإباحة الأولية في الإسلام ، ومن منطلق نظرية « العقد الاجتماعي » في الديمقراطية الحديثة ، غير أنّ ذلك يتمّ في الديمقراطية الحديثة بناءً على حقّ الإنسان الذاتي على نفسه ، وفي الإسلام بناءً على التفويض الإلهي للإنسان في شؤون نفسه ، فتكون المسألة أشبه بالخلاف اللفظي ، أم ليس الأمر كذلك ، والخلاف أعمق من ذلك ؟ أقول : إنّ القرآن الكريم قد نفى ولاية الإنسان على نفسه في شؤون السيادة والولاية والحكم بصراحة ، في آياتٍ محكماتٍ منه . وعليه فلا يصحّ ولاية الإنسان على نفسه في شؤون السيادة والقيمومة والحكم في الإسلام ، حتّى على مذهب القائلين بالإباحة الأولية . فإنّ اللَّه تعالى قد سلب من الإنسان هذا الحقّ مطلقاً ، وأناط الحقّ باللَّه عزّ شأنه على الإطلاق ، ومع هذا السلب المطلق فلا تصحّ ولاية الإنسان على نفسه ، سواء ذهبنا مذهب القائلين بالحظر أم القائلين بالإباحة الأولية . يقول تعالى :إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ. ويقول تعالى :وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ. والآية الأُولى وردت على طريق الحصر ( إن - إلّا ) فليس للإنسان أن يتحكّم في أُمور الحكم والسيادة ، وإنّما يعود كلّ ذلك إلى اللَّه تعالى ، وهو قوله عزّ شأنه :إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ. والآية الثانية تنفي شرعية كلّ ولاية وسيادة في حياة الإنسان من دون اللَّه ، فلا يصحّ للإنسان أن يعطي الولاية لأحدٍ على نفسه ، إلّاأن يكون ذلك بإذن اللَّه وأمره ، وذلك قوله تعالى :وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ. بهذا المضمون وردت آيات كثيرة في كتاب اللَّه ، وبناءً على هذا التوضيح فإنّ مسألة ولاية الإنسان على نفسه ، التي هي الأساس لنظرية « العقد الاجتماعي » و « الديمقراطية الحديثة » لا أصل لها ولا أساس في الإسلام ، مهما كان المذهب الأُصولي في هذه المسألة « الحظر » أو « الإباحة الأولية » .