تخطي إلى المحتوى الرئيسي

ولاية الأمر ، دراسة فقهية مقارنة — صفحة 216

مساهمون:

ص٢١٦
نفسه ووضعه وحياته بالطريقة التي تعجبه ، ويحقّ له أن يمنح هذه السيادة لمن يشاء من الهيئة الحاكمة وغيرها ، ويحقّ له أن يستعمل هذه السيادة في عملية « العقد الاجتماعي » . ولكن كيف يمكن توجيه وتفسير هذه السيادة بالنسبة إلى المؤمنين باللَّه تعالى ؟ فإنّ اللَّه تعالى عند المؤمنين هو المالك والربّ والمدبّر الحقيقي لهذا الكون بما فيه الإنسان ، وبطبيعة الحال يكون هو الحاكم الحقيقي الذي يتولّى أمر الإنسان والكون ، فليس من الممكن فصل الحاكمية عن الربوبية والملك ، ولابدّ أن يستتبع الربوبية والملك الولاية والحاكمية بصورة حتمية وبالضرورة ، كما أشرنا إلى ذلك عند شرح نظرية الميثاق في القرآن . وبناءً على هذا التصوّر ، كيف يكون للإنسان سلطان على نفسه ؟ ! ولذلك فنحن لا ننفي فقط سلطان الآخرين على الإنسان ، كما ورد في نظرية « العقد الاجتماعي » ، وإنّما ننفي سلطان الإنسان على نفسه « 1 » أيضاً ، لأنّه يدخل في
هامش
( 1 ) . من المسائل التي اختلفت فيها آراء الإسلاميّين في علم الأُصول مسألة « الحظر والإباحة » . والخلاف‌في هذه المسألة ينصبّ في أنّ الأصل الأولي في التصرّف في الأشياء ، بغضّ النظر عن الدليل الشرعي ، ومن حيث إنّه تصرّف في ملك اللَّه وسلطانه ، هل هو الإباحة أو الحظر ؟ وهذه المسألة تختلف عن مسألة « البراءة والاحتياط » . ففي المسألة الثانية يتمّ البحث عن حكم المكلّف في حالة الشكّ في التكليف من حيث غموض الدليل وإبهامه ، أو فقدان النصّ ، أو سائر العوامل الموجبة للشكّ في التكليف الإلزامي الإيجابي أو التحريمي ، بينما يتمّ البحث في المسألة الأُولى عن « إباحة » التصرّف في الأشياء إذا لم يرد دليل شرعي على الحظر ، أو « الحظر » حتّى يرد دليل شرعي على الإباحة . والمنطلق في مسألة « الإباحة الأولية » حكم الشرع أو العقل بالإباحة العامّة في ملك اللَّه ، إلّاأن يرد دليل من الشرع أو العقل على الحظر والمنع والمنطلق في « الحظر الأولي » حظر التصرّف في ملك اللَّه ، إلّاأن يرد إذن شرعي من ناحية اللَّه بإباحة التصرّف . إذن ، قبل ورود الدليل الشرعي على الحرمة ، الحكم هو « الإباحة الأولية » على رأي القائلين بالإباحة الأولية ، وعلى رأي القائلين بالحظر : الحكم الأولي هو « الحظر » قبل ورود الدليل الشرعي على الإباحة . -