تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح — صفحة 606

مساهمون:

ص٦٠٦
في المجالس والمدارس . . كانوا يختلفون في الفقه والكلام خلافات حادّة ، ويحتربون حرباً مضنية ، ويجرّون وراءهم العامّة جرّاً ، حتّى كثرت الفرق وتباينت ، وكلّ فرقة تبغي الغلب والظفر بخصومها ، وتحرّض من تستطيع تحريضه من الأُمراء والوزراء على مخالفيها ، وكان الوزراء والأُمراء من جانبهم يؤرِّثون هذه العداوات ، ويشجّعون تلك الخصومات ؛ انتفاعاً بما يجنون منها من شغل العامّة والتحكّم في الخاصّة . وأدرك نظام الملك ما في ذلك من الخطر ، وفهم ما ينطوي عليه هذا التفرّق والاختلاف الحادّ من تصوير للإسلام في نظر خصومه والمتربّصين به بصورة تخالف حقيقته ، وتعين على هدمه . . إنّ دين اللَّه واحد لا خلاف على أصوله ، وإنّ الفتن التي تفرّق بين المسلم وأخيه لا تتّصل بركن من أركان هذا الدين ، ولا يبعثها في كلّ حال حرصٌ عليه ، إنّما هي النزوات والشهوات ، نزوات الجهل وشهوات التعصّب ، فحرص على أن يصلح هذه الأحوال المضطربة ، وصمّم على أن ينقذ الأُمّة من ويلات الخلاف والشقاق ، وعلى أن يبثّ في أهل العلم روحاً من التسامح والهدوء في البحث والتخلّص من شوائب التعصّب ، وأن يرتفع بهم عن الحزازت واصطناع المكائد والفتن . وقد أعان نظام الملك على دعوته ما عرف عنه من الصلاح والتديّن وحبّ العلماء ، فقد كان يقدّمهم ويقف إجلالًا لهم ، وربّما تنازل عن مسنده إكراماً لبعضهم ، كما كان يفعل إذا قدم عليه إمام الحرمين أو القشيري أو الفارقذي الواعظ ، وكان إذا سمع الأذان أمسك عن جميع ما هو فيه ، وكانت له فوق ذلك ميول صوفية ووقائع أحوال تدلّ على هذه النزعة . وعرف العلماء والفقهاء رغبته في التقريب ، وحبّه لطرح الخلاف ونبذ التعصّب ، فجروا في مضماره ، وتقرّبوا إليه بما يحبّ ، وقد روى التاريخ لنا في ذلك حكاية طريفة ، هي : أنّ عبد السلام بن محمّد بن يوسف القزويني شيخ المعتزلة دخل عليه يوماً ، وكان عنده أبو محمّد التميمي ورجل آخر أشعري ، فقاله له القزويني : « أيّها الصدر ، لقد اجتمع عندك رؤوس أهل النار » ، قال نظام الملك : « وكيف ذلك » ؟ قال : « أنا معتزلي ، وهذا مشبِّه - يعني : التميمي - وذلك أشعري ، وبعضنا يكفّر بعضاً » ! فضحك النظام .
موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح — صفحة 606 | محمد الساعدي