والمغزى من هذه الواقعة أنّ العلماء وصلوا إلى حدّ التفكّه بأخبار الخلاف في مجلسه ، وأخرجوا الأمر فيه مخرج المزح والدعابة ، وشتّان بين هذا وما كان من قبل من عنف وحدّة وقطيعة .
وقد استعان نظام الملك على دعوته أيضاً بوسيلة نعتبرها حديثة في خدمة المبادئ والدعوة لها ، هي إنشاء المدارس ، وحشد العلماء لها ؛ كي تكون مصدراً للإقناع والتعليم والدفاع . . وهذا ما فعله نظام الملك ، فقد أقام المدارس النظامية ، وافتتح نظامية بغداد بنفسه ، وأشرف على هذه المدارس وأولاها رعايته ، وتوسّع في إنشائها ، ووقف عليها الأموال التي تضمن استمرارها من بعده .
ومع أنّها كانت في أوّل أمرها غير مرضية من العامّة وبعض العلماء ، فقد درّس بها كثير من الأئمّة وأفاضل الأُمّة ، كأبي بكر الشاشي ، وحجّة الإسلام الغزالي ، وأبي نصر بن الصبّاغ ، وأبي إسحاق الشيرازي ، وغيرهم .
وفي سنة 479 ه دخل السلطان ملك شاه ووزيره نظام الملك بغداد ، ونزلا بدار المملكة ، وزارا مشهد الإمام موسى الكاظم ابن جعفر الصادق المتوفّى ببغداد سنة 183 ه ، وقبره هناك في الجانب الغربي مشهور يزار ، وعليه مشهد عظيم ، وزارا كذلك قبور جماعة من الأئمّة والصالحين ، كمعروف الكرخي المتوفّى سنة 200 ه ، والإمام أحمد بن حنبل ، وأبي حنيفة ، وغيرها من القبور المعروفة ، فقال ابن زكرويه الواسطي يهنّئ نظام الملك بقصيدة ، منها :
زرتَ الممالك زورةً مشهورة * أرضت مضاجع من بها مدفون
فكأنّك الغيث استهلّ بتربها * وكأنّها بك روضة ومعين
فازت قداحك بالثواب وأنجحت * ولك الإله على النجاح ضمين
وخلع الخليفة على نظام الملك ، ودخل إلى المدرسة النظامية ، وجلس في خزانة الكتب ، وطالع بعض ما فيها ، وسمع الناس عليه في المدرسة جزء حديث ، وأملى جزءاً آخر .