تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح — صفحة 608

مساهمون:

ص٦٠٨
ولا شكّ أنّ هذا الصنيع من السلطان ووزيره نظام الملك فيه كثير من اللباقة والكياسة والتوجيه . وقد كانت المدارس النظامية منبثّة في العراق وإيران وأفغانستان ، وكان التعليم فيها يجري كأحسن ما يكون التعليم في عصرنا الحديث ، وكان الأساتذة هم الصفوة المختارة من العلماء ، وكان للطلبة بيوت يسكنونها ويرجعون إليها بعد الفراغ من الدرس ، وكانت لهم أرزاق تجري عليهم ليفرغوا إلى العلم ، وكان لهم زي يميّزهم ، وكان يباح للجمهور أن يستمع إلى بعض الدروس ، فأقبل الناس عليها ، واستنارت العقول ، ومن تعلم علّم غيره ، وهكذا وجد الشعب الإسلامي طريقاً إلى نور المعرفة وإدراك حقيقة الدين ، وهكذا ضربت الدولة في صدر العصبيات والتفرّق ويسّرت للركب العلمي سبيلًا سوياً لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً . وأراد نظام الملك أن يوحِّد الخلافتين : العبّاسية ، والفاطمية ، فبذل في ذلك جهده ، تارةً بالدعوة السلمية وتارةً بالجند . وهدفه الوحيد في كلّ هذا أن يتّحد أهل هذا الدين ؛ لتقوى أُمّتهم ، ويعود إليها ما لها من عزّة واستقامة ومنعة . واليوم نرى الدول الغربية تتّحد لمقاومة النازية مثلًا ، فتتّخذ من المسيحية جامعاً يؤلّف قلوب أّممها ويوحّد كلمتها ، وتصورّر النازية كما تصوّر ما لا تحبّ من المذاهب السياسية بصورة الخارج على المسيحية ؛ كي تزيد في بغض الناس لها ، وكي تركّز جهود المسيحيّين ، وتؤلّبهم عليها ، فهي تتّخذ من دينها ذريعةً لدنياها . ولا يقولنّ أحد : إنّها تتخلّف عن المدينة حين تنادي بالمسيحية ، فهي الأُمم صاحبات المدنية ، وهي الأُمم الداعيات وقت الحرج والخوف إلى المسيحية . أفلا نتعظ بالغرب ، وندعو دعوة الحقّ ، ونتآخى ونتآزر ، ونعمل بمبادئ ديننا ، ونقيم قواعد الاجتماع والسياسة في دنيانا على أساس ممّا أوصانا به الإسلام المجيد ؟ ! إنّما ندعو إلى العمل بما في الإسلام من مبادئ قويمة ، كلّ دولة في حدودها ولمصالحها ، يشدّ بعضنا أزر بعض إذا عرض لنا أمر أمام جماعة الأُمم ، ويؤثر بعضنا البعض