وقد كان علماء المسلمين وطلبة العلم يتوافدون على مدارس فقهية من مذاهب واتّجاهات مختلفة ، وكانوا يتبادلون الإجازات في رواية الحديث . فكان طلبة العلم من العراق - ومعظهم من الشيعة - يفدون إلى الحجاز ومصر والشام ، ومعظمهم من أهل السنّة ، وكان يفد إلى العراق ، على مدرسة الحلّة - وهي حوزة شيعية عريقة - طلبة من الحجاز ومصر والشام والمغرب العربي للدراسة ، كما كان لعلماء المسلمين زيارات للأقاليم الإسلامية ، وكان طلبة العلوم الدينية يلتمسون منهم أن يلقوا عليهم دروساً في الفقه والأُصولَين ( أُصول الفقه وأُصول العقائد ) .
واليوم تحتضن الحوزة العلمية في قم - وهي حوزة علمية عريقة تابعة لمدرسة أهل البيت عليهم السلام - طلبة العلوم الدينية من أكثر من مائة قطر في العالم من القارّات الخمس ، وجملة من هؤلاء الطلبة الوافدين إلى هذه الجامعة من أهل السنّة ، ولا يجدون حرجاً في الدراسة في حوزة شيعية ، كما لا تجد هذه الحوزة حرجاً أن تحتضن طلبة من المدارس والاتّجاهات الفقهية الأُخرى ، وتجري دراسة فقه المذاهب الإسلامية الأربعة في هذه الحوزة كما تجري دراسة الفقه الإمامي .
ولهذا الترافد الثقافي والعلمي أثر بالغ في التكامل العلمي والثقافي في المراكز العلمية الإسلامية ، فإنّ الجهود العلمية والثقافية المختلفة عندما تلتقي مع بعض على صعيد موضوعي علمي غير متشنجّ يكون هذا اللقاء سبباً للإثراء والتكامل العلمي والثقافي لكلّ من هذه الروافد العلمية والثقافية . ويؤدّي هذا الترافد إلى التقارب والتعارف بين المذاهب المختلفة ، كما أنّ التقارب والتعارف بين هذه المذاهب يؤدّي بالضرورة إلى الترافد العلمي والثقافي .
إنّ ظاهرة الترافد تؤدّي إلى مكافحة وإبطال الفتن الطائفية . . والعكس أيضاً صحيح ، فإنّ الفتن الطائفية تقلّل من فرص الترافد الثقافي ، وتحوّل الثقافة والعلم إلى دوائر مغلقة غير مترابطة ، وهذه الحالة من أسباب ضمور العلم والمعرفة دائماً .
وعلى كلّ حال ، ظاهرة الترافد الثقافي ظاهرة مباركة في حياة هذه الأُمّة ، يجب أن
موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح — صفحة 466
مساهمون: محمد الساعدي
ص٤٦٦