والأطبّاء وأعيان المجلس البلدي والكتّاب والأُدباء والمواطنون من ذوي الحيثيات ، حتّى ازدحمت شوارع بور سعيد بمن وفد إليها من كافّة أنحاء القطر المصري ، وفي المساء دعا سعادة محافظ القنال ( مندوب جلالة الملك ) آل الفقيد وممثّلي الهيئات والجمعيات إلى مائدة الإفطار ( إذ كان الموسم موسم الصيام في رمضان ) ، فكانت هذه المأدبة أكبر مظهر للأُخوّة الإسلامية ذات الأصل الوثيق .
وفي فجر الجمعة خرج سكّان فلسطين من حدود مصر حتّى بيت المقدس لتحية رفات الزعيم في مسيرة القطار ، فكانت كلّ بلدة تُقابل القطار بالتهليل والتكبير رغم شدّة البرد قبل انبثاق الفجر ، وحين وصل القطار إلى منطقة ( اللد ) تجمّعت الجماهير من كلّ صوب ، واصطفّ طلّاب المدارس وطالباتها في موكب مؤثّر توديعاً للراحل ، واستمرّت المدن الفلسطينية تقابل القطار بأبهى مظاهر التكريم ، حتّى وصل إلى القدس ، فكان في الاستقبال جميع أهل الحيثيات مع قناصل الدول ورؤساء الدين المسيحي ، وابتدأ سير موكب الجنازة من المحطّة إلى المسجد الأقصى في الساعة العاشرة في موكب قدّره المراقبون بمئتي ألف نسمة ، وبلغ النعش المسجد الأقصى ، فازدحم على رحابته بآلاف المصلّين ، وقد قُدّر عددهم بمئة ألف حول المسجد وداخله ، وبعد انتهاء الصلاة أُقيمت حفلة تأبين كبرى ، خطب فيها السيّد أمين الحسيني ، وتلاه أحمد زكي باشا وعبد الحميد سعيد ، ثمّ ألقى الأُستاذ عبد الوهاب النجّار وكيل جمعية الشبّان المصريّين قصيدة خالدة لأمير الشعراء أحمد شوقي تحدّث فيها عن مآثر محمّد علي ، وختمها بأبيات رائعة قال فيها :
قل للزعيم محمّد نزل الأسى * بالنيل واستولى على بطحائه
فمشى إليك بجفنه وبدمعه * وإلى أخيك بقلبه وعزائه
اجتزتَه فحواك في أطرافه * ولو انتظرت حواك في أحشائه
[ ولقد تعوّد أن تمرّ بأرضه * مرّ الغمام بظلّه وبمائه ]